تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 449
وَالْمُحْصَناتُ قرىء بكسر الصاد وفتحها. والمعنى بها ههنا المزوّجات واستثنى منهن ما ملكت ملك يمين فإنه بالملك ينفسخ نكاحها من زوجها وتحل لمن ملكها.
كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ انتصب بإضمار فعل وهو مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة من قوله: حرمت عليكم، وكأنه قيل: كتب اللّه عليكم تحريم ذلك كتابا. ولا حجة للكسائي في دعواه إن هذا من باب الأعزاء وان التقدير عليكم كتاب اللّه وقدم المفعول ولا يجوز ذلك عند البصريين في باب الاغراء.
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ لما نص على المحرمات في النكاح أخبر تعالى أنه أحل ما سوى من ذكر وظاهر ذلك العموم. وبهذا الظاهر استدلت الخوارج ومن وافقهم من الشيعة على جواز نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها والجمع بينهما وقد أطال الاستدلال في ذلك أبو جعفر الطوسي أحد علماء الشيعة الاثني عشرية في كتابه في التفسير.
قال الزمخشري: فإن قلت: علام عطف قوله: وأحل لكم؟ قلت: على الفعل المضمر الذي نصب كتاب اللّه، أي كتب اللّه عليكم تحريم ذلك وأحل لكم ما وراء ذلكم. ويدل عليه قراءة اليماني كتب اللّه عليكم وأحل لكم. ثم قال:
ومن قرأ وأحل لكم مبنيا للمفعول فقد عطفه على حرمت. «انتهى» .
ففرق في العطف بين القراءتين وما اختاره من التفرقة غير مختار لأن انتصاب كتاب اللّه عليكم إنما هو انتصاب المصدر المؤكد لمضمون الجملة السابقة من قوله:
حرمت، فالعامل فيه وهو كتب إنما هو تأكيد لقوله: حرمت، فلم يؤت بهذه الجملة على سبيل التأكيد للحكم إنما التأسيس حاصل بقوله: حرمت وهذه جنى بها على سبيل التأكيد لتلك الجملة المؤسسة وما كان سبيله هكذا فلا يناسب أن يعطف عليه الجملة لحكم إنما يناسب أن تعطف عليه جملة مؤسسة مثلها لا سيما والجملتان متقابلتان إذ أحديهما للتحريم والأخرى للتحليل، فناسب أن تعطف هذه على هذه. وقد أجاز الزمخشري ذلك في قراءة من قرأ، وأحل مبنيا للمفعول فكذلك يجوز فيه مبنيا للفاعل.