تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 472
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها سبب نزولها ما ذكروا من قصة مضمونها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أخذ مفتاح الكعبة من سادنيها أو عثمان بن طلحة وابن عمه شيبة بن عثمان بعد تأب من عثمان ولم يكن أسلم فسأل العباس الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجمع له بين السقاية والسدانة فنزلت فرد المفتاح إليهما وأسلم عثمان وقال عليه الصلاة والسّلام: خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا يأخذها منكم إلا ظالم. وعن ابن عباس وغيره: نزلت في الأمراء يؤدوا الأمانة فيما ائتمنهم اللّه من أمر رعيته ومناسبتها لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر وعد المؤمنين وذكر عمل الصالحات نبه على هذين العملين الشريفين اللذين من اتصف بهما كان أحرى أن يتصف بغيرهما من الأعمال الصالحة فأحدهما ما يختص به الانسان فيما بينه وبين غيره وهو أداء الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها والثاني ما يكون بين اثنين من الفصل بينهما بالحكم العدل الخالي عن الهوى وهو من الأعمال العظيمة التي أمر اللّه بها رسله وأنبياءه والمؤمنين، ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الانسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بحال غيره أمر تعالى بأداء الأمانة أولا ثم بعده بالأمر بالحكم بالحق.
وأَنْ تَحْكُمُوا ظاهره أن يكون معطوفا على أن تؤدوا، وفصل بين حرف العطف والمعطوف بإذا وقد ذهب إلى ذلك بعض أصحابنا وجعله كقوله:
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً.
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا.
سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ ففصل في هذه الآيات بين الواو والمعطوف بالمجرور وأبو علي يخص هذا بالشعر وليس هذا بصواب فإن كان المعطوف مجرورا أعيد الجار نحو أمرر بزيد وغدا بعمرو ولكن قوله: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ليس من هذه الآيات لأن حرف الجر يتعلق في هذه