تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 488
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قيل: نزلت في بدر الصغرى دعا الناس إلى الخروج وكان أبو سفيان واعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اللقاء فيها فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت، وخرج صلّى اللّه عليه وسلّم وما معه إلا سبعون لم يلو على أحد ولو لم يخرج معه أحد لخرج معه ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر تثبيطهم عن القتال واستطرد من ذلك إلى أن الموت يدرك كل أحد ولو اعتصم بأعظم معتصم فلا فائدة في الهرب من القتال واتبع ذلك بما اتبع من سوء خطاب المنافقين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفعلهم معه من إظهار الطاعة بالقول وخلافها بالفعل وبكتهم في عدم تأملهم ما جاء به الرسول من القرآن الذي فيه كتب القتال عليهم عاد إلى أمر القتال وهكذا إعادة كلام العرب تكون في شيء ثم تستطرد من ذلك إلى شيء آخر له به مناسبة وتعلق.
ومعنى: لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ أي لا تكلف في القتال إلا نفسك فقاتل ولوحدك. وقيل: المعنى إلا طاقتك ووسعك والنفس يعبر بها عن القوة، يقال:
سقطت نفسه أي قوته. وقرأ الجمهور لا تكلف خبرا مبنيا للمفعول، قالوا:
والجملة في موضع الحال ويجوز أن يكون إخبارا من اللّه لنبيه لا حالا شرع له فيها أنه لا يكلف أمر غيره من المؤمنين إنما يكلف أمر نفسه فقط. وقرئ لا نكلف بالنون وكسر اللام ويحتمل وجهي الإعراب الحال والاستئناف. وقرأ عبد اللّه بن عمر لا تكلف بالتاء وفتح اللام والجزم على جواب الأمر وأمره تعالى بحث المؤمنين على القتال وتحريك هممهم إلى قتال عدوهم وترغيبهم بما أعد اللّه لهم من حسن الجزاء وفضيلة الشهادة.
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً الآية، قال الزمخشري: الشفاعة الحسنة هي التي روعي فيها حق مسلم ودفع بها شر أو جلب إليه خبر وابتغى بها وجه اللّه تعالى ولم يؤخذ عليها رشوة وكانت في أمر جائز لا في حد من حدود اللّه ولا حق من الحقوق والسيئة ما كان بخلاف ذلك. «انتهى» .