تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 500
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ الآية، روى مجاهد عن ابن عباس قال:
كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فقال المشركون: لقد أصبنا غرّة لو حملنا عليهم وهم في الصلاة فنزلت آية القصر فيما بين الظهر والعصر، والضرب في الأرض السفر. والظاهر جواز القصر في مطلق السفر وبه قال أهل الظاهر. واختلف فقهاء الأمصار في حد المسافة بما هو مذكور في كتبهم. وقرئ تقصروا من قصر وتقصروا من أقصر وتقصروا من قصر، وقوله:
من الصلاة، مجمل إذ يحتمل القصر من عدد الركعات والقصر من هيئات الصلاة ويرجع في ذلك إلى ما صح في الحديث. وقوله: إن خفتم ظاهره اشتراط الخوف في القصر من الصلاة وإلى ذلك ذهب جماعة. والحديث الصحيح يدل على أن هذا الشرط لا مفهوم له فلا فرق بين الأمن والخوف.
أَنْ يَفْتِنَكُمُ لغة الحجاز فتن ولغة تميم وربيعة وقيس أفتن.
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ الآية استدل بظاهر الخطاب للرسول عليه السّلام من لا يرى صلاة الخوف بعده صلّى اللّه عليه وسلّم حيث شرط كونه فيهم وكونه هو المقيم لهم الصلاة وهو مذهب ابن عليّة وأبي يوسف. والظاهر أن صلاة الخوف لا تكون إلا في السفر ولا تكون في الحضر وان كان خوف وذهب إليه قوم. وذهب الجمهور إلى أن الحضر إذا كان خوف كالسفر. ومعنى فأقمت لهم الصلاة، قال الطبري: أقمت حدودها وحياتها والذي يظهر أن المعنى فأقمت بهم وعبر عن ذلك بالإقامة إذ هي فرض على المصلي في قول. ومعنى فلتقم هو من القيام وهو الوقوف، وقيل: فلتهتم بأمر صلاتها حتى تقع على وفق صلاتك من قام بالأمر اهتم به وجعله شغله والظاهر أن الضمير في وليأخذوا أسلحتهم عائد على طائفة لقربها من الضمير ولكونها لها في ما بعد في قوله: فإذا سجدوا، معناه صلوا، وفيه دليل على أن السجود قد يعبر به عن الصلاة ومنه إذا جاء أحدكم المسجد فليسجد سجدتين أي فليصل ركعتين.
فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ ظاهره أن الضمير في فليكونوا عائد على الساجدين والمعنى أنهم إذا فرغوا من السجود انتقلوا إلى الحراسة والسلاح هو ما يتحصن به