تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 529
قلت: لم يصح هذا التقدير لأن قوله: بل طبع اللّه عليها بكفرهم، ردوا إنكار لقولهم: قلوبنا غلف، فكان متعلقا به «انتهى» . وهو جواب حسن ويمتنع من وجه آخر وهو أن العطف ببل يكون للإضراب عن الحكم الأول وإثباته للثاني على جهة إبطال الأول أو الانتقال فاما في كتاب اللّه تعالى في الاخبار فلا يكون إلا للانتقال ويستفاد من الجملة الثانية ما لا يستفاد من الأولى، والذي قدره الزمخشري لا يسوغ فيه هذا الذي قدرناه لأن قوله: فبما نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات اللّه، وقولهم قلوبنا غلف، بل طبع اللّه على قلوبهم. هو مدلول الجملة التي صحبتها بل وهو قوله:
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ. فأفادت الجملة الثانية ما أفادت الجملة الأولى وهو لا يجوز لو قلت: مر زيد بعمرو بل مر زيد بعمرو لم يجز. وقد أجاز ذلك أبو البقاء وهو أن يكون التقدير فبما نقضهم ميثاقهم وكذا وكذا طبع اللّه على قلوبهم، وقيل: التقدير فبما نقضهم ميثاقهم لا يؤمنون إلا قليلا والفاء مقحمة وما في قوله: فبما، كهي في فبما رحمة، وتقدم الكلام عليها. والبهتان العظيم هو رميها عليهاالسّلام بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى عليه السّلام في المهد، وقولهم رسول اللّه هو على سبيل الاستهزاء منهم. كقول فرعون: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون. وفي الكلام حذف تقديره وصلبناه ولذلك نفاه في قوله تعالى:
وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وهذا إخبار منه تعالى بأنهم ما قتلوا عيسى ولا صلبوه. واختلف الرواة في كيفية القتل والصلب وفيمن ألقي الشبه عليه اختلافا كثيرا. ولم يثبت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك شيء وشبه مبني للمفعول، ولهم في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله، والذي نعتقده أن المشبه هو الملك الممخرق الذي كان في زمان عيسى عليه السّلام لما رفعه اللّه تعالى إليه وفقدوه أخرج شخصا وقال لهم: هذا عيسى فقتله وصلبه، قيل: ولا يجوز أن يعتقد أن اللّه تعالى ألقى شبه عيسى عليه السّلام على واحد منهم لأن ذلك تطرف إلى السفسطة كما ادعى بعض الجهال في الشيخ القرشي وكان شيخا مخدوما انه إذا أراد أن يخلو بامرأته للوطىء برز لها في صورة شاب أمرد حسن الصورة.
وحكي لنا عن بعض من كان تولى مشيخة الصوفية بخانقاه سعيد السعداء بالقاهرة أنه تكلم مع بعض العلماء في أنه يكون في الآن الواحد بشكله وصورته في مكان واحد ثم يكون بشكله وصورته في ذلك الآن في مكان آخر وعند هؤلاء