تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 602
وَقالَتِ الْيَهُودُ الآية نزلت في فنحاص وابن صوريا وعازر بن أبي عازر قالوا ذلك ونسب ذلك إلى اليهود لأن هؤلاء علماؤهم وهم أتباعهم في ذلك واليد حقيقة في الجارحة، وفي غيرها مجاز فيراد بها النعمة والقوة والملك والقدرة، وظاهر قول اليهود ان للّه تعالى يدا فإن كانوا أرادوا الجارحة فهو يناسب مذهبهم إذ هم مجسمة، وظاهر مساق الآية يدل على أنهم أرادوا بغل اليد وبسطها المجاز عن البخل والجود ومنه لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط.
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ خبر وإيعاد واقع بهم في جهنم لا محالة، قاله الحسن. أو خبر عنهم في الدنيا جعلهم اللّه أبخل قوم، قال الزجاج. ويظهر أن قولهم: يد اللّه مغلولة، استعارة من الامساك من الإحسان الصادر من المقهور على الإمساك ولذلك جاؤوا بلفظ مغلولة ولا يغل إلا المقهور، فجاء قوله: غلت أيديهم، دعاء عليهم بغل الأيدي فهم في كل بلد مع كل أمة مقهورون مغلوبون لا يستطيع أحد منهم أن يستطيل ولا يستعلي فهي استعارة عن ذلهم وقهرهم وان أيديهم لا تبسط لدفع ضر نزل بهم وذلك مقابلة عما تضمنه قولهم: يد اللّه مغلولة، وليست هذه المقالة بدعاء منهم. فقد قالوا: إن اللّه فقير ونحن أغنياء.
وَلُعِنُوا بِما قالُوا يحتمل أن يكون خيرا وأن يكون دعاء وبما قالوا يحتمل أن يكون يراد به مقالتهم هذه ويحتمل أن يكون عاما فيما نسبوه إلى اللّه تعالى مما لا يجوز نسبته إليه فتندرج هذه المقالة في عموم ما قالوا. بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ معتقد أهل الحق أن اللّه سبحانه وتعالى ليس بجسم ولا جارحة له ولا يشبهه شيء من خلقه ولا يكيّف ولا يتحيز ولا تحله الحوادث، وأدلة هذا مقررة في علم أصول الدين، والجمهور على أن هذا استعارة عن جوده وإنعامه السابغ وأضاف ذلك إلى اليدين جريا على طريقة العرب في قولهم: فلأن ينفق بكلتا يديه، ومنه قول الشاعر:
يداك يدا مجدا فكف مفيدة ... وكف إذ ما ضن بالمال تنفق