تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 636
يشهد اثنان.
ذَوا عَدْلٍ صفة لقوله: اثنان، ومنكم صفة أخرى، ومن غيركم صفة لآخران. قال ابن عباس وغيره: أمر تعالى بإشهاد عدلين من القرابة إذ هم أحق بحال الوصية وأدرى بصورة العدل فيها فإن كان الأمر في سفر ولم تنحصر قرابة أسندها إلى غيرهما من المسلمين الأجانب. وهذا القول مخالف لما ذكره الزمخشري وغيره من المفسرين حتى أن ابن عطية قال: لا نعلم خلافا أن سبب هذه الآية أن غيما الداري وعديا بن زياد كانا نصرانيين، وساق الحديث المذكور أولا. وقال أبو جعفر النحاس: ناصر القول ابن عباس أن هذا القول ينبني على معنى غامض في العربية وذلك أن معنى آخر في العربية من جنس الأول تقول: مررت بكريم وكريم آخر، فقولك: آخر، يدل على أنه من جنس الأول. ولا يجوز عند أهل العربية مررت بكريم وخسيس آخر، ولا مررت برجل وحمار آخر، فوجب من هذا أن يكون معنى قوله: أو آخران من غيركم، أي عدلان والكفار لا يكونون عدولا. «انتهى» . وما ذكره في المثل صحيح إلا أن الذي في الآية مخالف للمثل التي ذكرها النحاس في التركيب لأنه مثل بتأخير آخر وجعله صفة لغير الجنس وأما الآية فمن قبيل ما تقدم فيه آخر على الوصف والأربع واندرج آخر في الجنس الذي قبله ولا يعتبر جنس الأول تقول: جاءني رجل مسلم وآخر كافر، ومررت برجل قائم وآخر قاعد، واشتريت فرسا سابقا وآخر مبطئا. فلو أخرت آخر في هذه المثل لم تجز المسألة. لو قلت: جاءني رجل مسلم وكافر آخر، ومررت برجل قائم وقاعد آخر، واشتريت فرسا سابقا ومبطئا آخر، لم يجز. وليست الآية من هذا القبيل لأن التركيب فيها جاء اثنان ذوا عدل منكم وآخران من غيركم فآخران من جنس قوله:
اثنان ولا سيما إذا قدرته رجلان اثنان فآخران هما من جنس قولك: رجلان اثنان، ولا يعتبر وصف قوله: ذوا عدل منكم، وإن كان مغايرا لقوله: من غيركم، كما لا يعتبر وصف الجنس في قولك: عندي رجلان اثنان مسلمان وآخران كافران، إذ ليس من شرط آخر إذا تقدم أن يكون من جنس الأول بقيد وصفة وعلى ما ذكرته هو لسان العرب. قال تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ. وأخرى تأنيث آخر. وقال زهير بن أبي سلمى:
كانوا فريقين يصفون الزجاج على قعسي الكواهل في أكتافهم شمم وآخرين