تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 811
الإيجاد والاختراع وجرى ما خلق واخترع على ما يريده وما يأمره لا أحد يشركه في ذلك ولا في شيء منه.
تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي علا وعظم. ولما تقدم أن ربكم صدر الآية جاء آخرها فتبارك اللّه رب العالمين وجاء العالمين أعم من ربكم لأنه خلق تلك الأشياء البديعة وهي عوالم كثيرة فجاء العالمين جمعا لجميع العوالم واندرج فيه المخاطبون بربكم وغيرهم وتبارك فعل جامد لا يتصرف، فلا يقال منه مضارع ولا اسم فاعل ولا فعل أمر لا يقال يتبارك ولا متبارك ولا تبارك.
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً الظاهر أن الدعاء هو مناجاة اللّه بندائه لطلب أشياء ولدفع أشياء وانتصب تضرعا وخفية على الحال أي متضرعين ومخفين أو ذوي تضرع واختفاء في دعائكم. وفي الحديث الصحيح: إنكم لستم تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعونه سميعا قريبا.
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وهذا اللفظ عام يدخل فيه أولا الدعاء على غير هذين الوجهين من عدم التضرع وعدم الخفية بأن يدعوه وهو ملتبس بالكبر والزهو وان ذلك دأبه في المواعيد والمدارس فصار ذلك صنعة وعادة فلا يلحقه تضرع ولا تذلل وبأن يدعوه بالجهر البليغ والصياح كدعاء الناس عند الاجتماع في المشاهد والمزارات. وقال العلماء: الاعتداء في الدعاء على وجوه كثيرة منها الجهر الكثير والصياح.
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها هذا نهي عن إيقاع الفساد في الأرض وإدخال لماهيته في الوجود فيتعلق بجميع أنواعه من إفساد النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان ومعنى بعد إصلاحها أي بعد أن أصلح اللّه خلقها على الوجه الملائم لمنافع الخلق ومصالح المكلفين.
وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا لما كان الدعاء من اللّه تعالى بمكان كرره فقال:
ادعوا ربكم تضرعا وخفية وهاتان الحالتان من الأوصاف الظاهرة لأن الخشوع والاستكانة وإخفاء الصوت ليسا من الأفعال القلبية ثم كرر الأمر بالدعاء خوفا وطمعا وهما من الأفعال القلبية أي وجلين مشفقين وراجين مؤملين. فبدأ أولا