تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 949
فيه من المعاصي.
فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ كناية عن الكف عنهم وإجرائهم مجرى المسلمين في تصرفاتهم حيث ما شاؤا ولا يتعرض لهم.
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ الآية، الظاهر أنها محكمة. وعن ابن جبير قال: جاء رجل إلى عليّ كرم اللّه وجهه فقال: ان أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء الأجل ليسمع كلام اللّه أو يأتيه لحاجة قتل. قال: لا، لأن اللّه تعالى قال: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ الآية، ولما أمر تعالى بقتل المشركين حيث وجدوا وأخذهم وحصرهم وطلب غدّتهم ذكر لهم حالة لا يقتلون فيها ولا يؤخذون وهي إذا جاء واحد منهم مسترشدا طالبا للحجة والدلالة على ما تدعو إليه من الدين، فالمعنى وان أحد من المشركين استجارك، أي طلب منك أن تكون مجيرا له وذلك بعد انسلاخ الأشهر ليسمع كلام اللّه تعالى، وما تضمنه من التوحيد ويقف على ما بعثت به فكن مجيرا له حتى يسمع كلام اللّه ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر.
ثُمَّ أَبْلِغْهُ داره التي يأمن فيها ان لم يسلم، ثم قاتله إن شئت من غير غدر ولا خيانة.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ أي ذلك الأمر بالإجارة وإبلاغ المأمن بسبب أنهم قوم جهلة لا يعلمون ما الإسلام وما حقيقة ما تدعو إليه، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا ويتفهموا الحق.
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ الآية، هذا استفهام معناه التعجب والاستنكار والاستبعاد، وفي الآية إضمار أي كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر والنكث. والاستفهام يراد به النفي كثيرا. قال الشاعر:
فهذي سيوف يا هدي بن مالك ... كثير ولكن كيف بالسيف ضارب.
أي ليس بالسيف ضارب.