وإذنْ فالذين تُصرَف إليهم الزكاة مِن الأفراد الآن هم الفقراء والمساكين والمؤلفة قلوبهم وأبناء السبيل.
أما جهات المصالح التي تُصرف إليها الصدقات، فقد ذكرت منها الآية جهتين هامتين: إحداهما أعمُّ الجهات وأشملها لكل خير عام، وهي"في سبيل الله". والأخرى هي المذكورة بقوله:"في الرقاب"وقد كان أبرز ما تصدق عليه جهة الرقاب شراء الرَّقِيق بقصْد تحريره، أو مُساعدته في بذْل تحريره الذي يبذله لسيده، وقد انقرض هذا الصنْف بانقراض الرِّقِّ الذي عمِل الإسلام على انقراضه منذُ أعلن كلمته في الحرص على حرية الإنسان. ولكن قد حلَّ محله الآنَ رِقٌّ هو أشد خطرًا منه على الإنسانية، ذلكم هو رِقُّ الشعوب في أفكارها وأموالها وسُلطانها وحريتها في بلادها. كان ذاك رِقُّ أفرادٍ يَموتون وتَبقَى دُولهم، ولكن هذا رقُّ شعوبٍ وأمم، تَلِدُ شعوبًا وأُمَمًا، فهو رقٌّ عامٌّ دائم، وهو أجدر وأحقُّ بالعمل على التخلص منه، ورفْع ذُله عن الشعوب، لا بمال الصدقات فقط، بل بكل المال والأرواح.
أما الجهة الأخرى العامة المذكورة بقوله: (وفي سبيلِ اللهِ) فهي تشمَل سائر المصالح التي هي أساس الدين والدولة، وأوَّلها وأحقها الاستعداد الحربيُّ بجميع لوازمه، حتى المُستشفيات العسكرية، ومدُّ الخطوط الحديدية والقناطر، وما إلى ذلك مما يعرفه رجالُ الحرب والميدان.
ويدخل في هذه الجهة الإعداد لدُعاةٍ إسلاميينَ إعدادًا يُظهرون به جمال الإسلام وسماحته، ويدفعون بشُبَهِ الأعداء إلى صدورهم، كما يدخل فيه العمل على تحفيظ القرآن في جمعياته وأفراده، وإنشاء المساجد في الأحياء التي لا توجد فيها المساجد الكافية.
أما بعدُ: