وهكذا يكون بيانًا لشأنٍ لم يَسبق فيه بيانٌ واحتاج الناس إلى معرفة حُكم الله فيه فسألوا عنه. أو بيانًا لشأنٍ نزل فيه بيان من قبلُ، ولكن اتَّصلت به عند الناس جهاتٌ واعتبارات جعلتهم في حاجة إلى توضيحه، فسألوا طلبًا للتوضيحِ والكشْف.
وقد سجَّل القرآن جملةَ الأسئلة المُوجَّهة إلى الرسول وذَكر معها أجوبتها. وجاء من هذه الأسئلة في سورة البقرة ما يأتي:
أولًا: جاء أعرابيٌّ إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسأل: أقريبٌ ربُّنا فنُناجيه أم بعيدٌ فنُناديه؟ فنزل قوله ـ تعالى ـ: (وإذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فإنِّي قَريبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ) . (الآية 186 من سورة: البقرة) . وقد أخذ العلماء من هذا أنه لا ينبغي رفْع الصوت في العبادة والدعاء إلا بالمِقدار الذي لا يُخِلُّ بالخُشوع، ولا يُحدث رَجَّةً في نُفوس السامعين.
ثانيًا: ورد أنهم سألوا عن الهلال يبدو في أول الشهر دقيقًا مثل الخيط ثم يعظم حتى يستوي ويستدبر، ثم يعود كما كان، فنزل قوله ـ تعالى ـ: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ للناسِ والحَجِّ) . (الآية 189 من سورة: البقرة) . وقد عدل بهم عن الجانب الذي يسألونه عنه وهو سبب هذه الظاهرة إلى الجانب الذي ينفعهم في حياتهم وهو أنهم يُوقنون بها عباداتِهم من صيامٍ وحجٍّ، ومُعاملاتهم مِن بُيوع ومُداينات. وهذا أخذ بهم إلى الطريق الطبيعي الذي يستوي فيه العالِم والجاهل وهو التوقيت بالسَّنَة القمرية التي لا تتوقف على معرفة الحساب.
والقرآن يُرشد دائمًا إلى الوسائل الطبيعية الفِطرية التي تعمُّ الناس أجمعين.