وبهذا نأخذ إن شاء الله تعالى [1] لما سبق، وأيضًا لم يذكر أحد ممن روى جهره - صلى الله عليه وسلم - بالتأمين أن الصحابة كانوا يجهرون بها وراءه، فلو كانوا يفعلون ذلك؛ لنقلوه إلينا، لا سيما وأن الجهر بها خلاف الأصل.
قال تعالى «7/ 55» : {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ} ؛ فلا يجوز الخروج عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح.
وقد خرَجنا عنه فيما يتعلق بجهر الإمام؛ لثبوت ذلك عنه - صلى الله عليه وسلم -، فيبقى ما عداه على الأصل. وبالله التوفيق.
ثم إني بعد كتابة ما تقدم رأيت ابن حزم قد أخرج الأثر في «المحلى» «3/ 364» إلى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أكان ابن الزبير يؤمّن على أثر «أم القرآن» ؟ قال: نعم، ويؤمّن من وراءه حتى إن للمسجد للجة.
قال عطاء: وكان أبو هريرة يدخل المسجد وقد قام الإمام قبله، فيقول ويناديه: لا تسبقني بـ «آمين» .
قال عطاء: ولقد كنت أسمع الأئمة يقولون هم أنفسهم على أَثَر «أم القرآن» : «آمين» ، هم ومن وراءهم؛ حتى إن للمسجد للجة.
فهذا الإسناد صحيح، ولكن لا حجة فيه؛ لأنه ليس مرفوعًا إليه - صلى الله عليه وسلم -.
وعلقه البخاري في «صحيحه» ، ووصله الشافعي «1/ 65» (2) .
[أصل صفة الصلاة (1/ 378) ] [2]
(1) سيأتي تراجع الإمام عن ذلك.
(2) (تنبيه) : قال الشيخ رحمه الله تعالى في"الضعيفة" (2/ 369) :"وهو في"مصنف عبد الرزاق"برقم (2640/ج 2) ، ومن طريقه ابن حزم في"المحلى" (3/ 364) ."
فقد صرح ابن جريج في هذه الرواية أنه تلقى ذلك عن عطاء مباشرة؛ فأمِنَّا بذلك تدليسه، وثبت بذلك هذا الأثر عن ابن الزبير.
وقد صح نحوه عن أبي هريرة؛ فقال أبو رافع: إن أبا هريرة كان يؤذن لمروان بن الحكم، فأشترط أن لا يسبقه بـ: {الضَّالِّينَ} حتى يعلم أنه قد دخل الصف. فكان إذا قال مروان: {وَلَا الضَّالِّينَ} ؛ قال أبو هريرة: {آمين} يَمُدُّ بها صوته، وقال: إذا وافق تأمينُ أهل الأرض تأمين أهل السماء؛ غفر لهم. أخرجه البيهقي (2/ 59) . وإسناده صحيح.
فإذا لم يثبت عن غير أبي هريرة وابن الزبير من الصحابة خلاف الجهر الذي صح عنهما؛ فالقلب يطمئن للأخذ بذلك أيضًا، ولا أعلم الآن أثرًا يخالف ذلك. والله أعلم"."
وقال رحمه الله تعالى في"تمام المنة" (ص 178) :"فملت ثمة إلى اتباعهما في ذلك، ثم رأيت الإمام أحمد قال به - فيما رواه ابنه عبد الله عنه في"مسائله" (72/ 259) -".
وقال رحمه الله في مطبوع"صفة الصلاة" (ص 102) :" (فائدة) : تأمين المقتدين وراء الإمام يكون جهرًا ومقرونًا مع تأمين الإمام؛ لا يسبقونه به - كما يفعل جماهير المصلين -، ولا يتأخرون عنه. هذا هو الذي ترجح عندي أخيرًا". [حاشية الناشر] .