فهرس الكتاب

الصفحة 465 من 8195

[قال الإمام] :

أن الإحفاء غير ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلًا، وإنما ثبت عن بعض الصحابة، كما ثبت عن بعضهم خلافه، وهو إحفاء ما على طرف الشفة، وهو الذي من فعله - صلى الله عليه وسلم - في شارب المغيرة.

وهذا الإحفاء هو المراد بالأحاديث القولية الآمرة بالإحفاء وما في معناها، وليس أخذ الشارب كله؛ لمنافاته لقوله - صلى الله عليه وسلم: «من لم يأخذ من شاربه ... » . والأحاديث يفسر بعضها بعضًا، وهو الذي اختاره الإمام مالك، ثم النووي وغيره، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.

واختار الطحاوي الإحفاء، وأجاب عن حديث المغيرة بقوله: «فليس فيه دليل على شيء؛ لأنه يجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك ولم يكن بحضرته مقراض يقدر على إحفاء الشارب» ! قلت: وهذا الجواب ظاهر التكلف؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في بيته؛ لأن في الحديث - كما تقدم - أن المغيرة كان ضيفًا عليه - صلى الله عليه وسلم - لما قص شاربه، فهل يعقل أن لا يكون عنده - صلى الله عليه وسلم - مقراض بل مقاريض؛ إذا تذكرنا أنه كان له تسع زوجات؟ ! فلعل الطحاوي لم يستحضر ضيافة المغيرة عليه - صلى الله عليه وسلم -، أو أنها لم تقع له، وهذا هو الأقرب الذي يقتضيه حسن الظن به؛ لأنه إنما روى الحديث مختصرًا. وكذلك ذكره الشوكاني «1/ 101» ، وقال عقبه - بعد أن حكى خلاصة كلام الطحاوي بقوله: «قال: وهذا لا يكون معه إحفاء» : «ويجاب عنه أنه محتمل، ودعوى أنه لا يكون معه إحفاء ممنوعة، وهو إن صح كما ذكر؛ لا يعارض تلك الأقوال منه - صلى الله عليه وسلم -» ! قلت: وجواب الشوكاني أبعد عن الصواب من جواب الطحاوي؛ لأن الاحتمال المذكور باطل؛ لا يمكن تصوره من كل من استحضر قص الشارب على السواك. وأما ترجيح أقواله - صلى الله عليه وسلم -؛ فهو صحيح لو كانت معارضة لفعله معارضة لا يمكن التوفيق، وليس الأمر كذلك؛ لما سبق بيانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت