رضي الله عنه- أنه دخل المسجد النبوي يومًا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس وحوله بعض أصحابه، فانضم أبو قتادة إلى هؤلاء الصحابة وجلس بينهم، يستمع الذكر يستمع الموعظة، وعند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما رآه -عليه الصلاة والسلام- قال له: «يا أبا قتادة أصليت؟ » قال: لا، قال: «قم فصل ركعتين» .
وأذكر مسبقًا: هذا غير الحديث الثاني، حديث أبي سليك الغطفاني، فقام ليصلي، وبهذه المناسبة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فليُصَلِّ ركعتين ثم ليجلس» ، والرواية الأخرى كما ذكرنا: «فلا يجلس، حتى يصلي ركعتين» .
الشاهد: أن مع هذا الأمر الاهتمام بجلوس أبي قتادة قبل التحية، فلم يسكت -عليه الصلاة والسلام- عنه؛ لعلمه بما عَلَّمنا به، ألا وهو: أن التحية تحية المسجد، أمر لا ينبغي أن يتساهل به المسلم؛ لذلك سأله: «صليت ركعتين؟ » قال: لا، قال: «قم فصل» ثم ذكر هذا الحديث.
ثم يأتي تأكيد آخر، لكون هذا الأمر ليس للاستحباب، ولو كان استحبابًا مؤكدًا، وإنما هو للوجوب: حديث سليك الغطفاني لما جاء ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة فجلس، فقال له -عليه الصلاة والسلام-: «يا فلان، أصليت؟ » ، قال: لا، قال: «قم فصل ركعتين» ، ثم التفت إلى الجمهور من الجالسين المصغين لخطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - يخاطبهم جميعًا؛ دفعًا لشبهةٍ قد تقع وقد وقعت فعلًا، وذلك من تمام هذا الشرع المبارك حيث تَوَجّه -عليه الصلاة والسلام- بذلك الخطاب العام فقال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والخطيب يخطب فليصل ركعتين، وليتجوز فيهما» .
خاطب الجالسين بهذا الخطاب، لدفع شبهة قد ترد، وقد وردت فعلًا وقيلت في بعض الكتب: إن هذا كان لعلةٍ، ما هي هذه العلة؟ قيل، وقيل، مرجعها إلى أن هذا الأمر الذي وُجِّه إلى سُلَيك الغطفاني، هو أمر خاص به.
فأبطل -عليه الصلاة والسلام- هذه الشبهة سَلَفًا؛ بتوجيهه الأمر للأمة كلها جميعها: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والخطيب يخطب فليصل ركعتين، وليتجوز