الحقيقة الأولى: التي تحدثنا عنها متعلقة بالصيام، والحقيقة الأخرى المتعلقة بالصلاة فقال عليه الصلاة والسلام: «كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش» لِمَ؟ لأنه لم ينته عما نهاه الله عز وجل عنه، اقتصر فقط على ما سميناه بالمفطرات المادية، وهو يظن أنه صام، هذا نقول في مثله: صام وما صام، صام ممسكًا عن المفطرات المادية وما صام؛ لأنه لم يمسك عن المفطرات المعنوية؛ لذلك قال عليه الصلاة والسلام: «كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم - أو مصل - ليس له من قيامه إلا السهر والنصب» أي: التعب.
إذًا: فنرجو من الله تبارك وتعالى أن يلهمنا الصيام عن المفطرات بقسميها المادية والمعنوية، وأن يلهمنا أن تكون صلاتنا مقبولة عنده تبارك وتعالى تلك الصلاة التي تنهانا عن الفحشاء والمنكر.
وبهذه المناسبة لا بد لي أن أذَكِّر بحديث من تلك الأحاديث الشائعة على الألسنة، والتي لا يصح بل لا يجوز نسبتها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدم ثبوتها، أولًا: من حيث مبناها، أي: من حيث إسنادها، وثانيًا: من حيث درايتها ومعناها؛ ذلك الحديث هو: «من لم تَنْهَه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بُعْدًا» هذا الحديث قد يحلو لبعض الناس أن يسمعوه، وقد يطيب لهم معناه، غير منتبهين للمعنى المنكر المنطوي تحته؛ ذلك لأن هذا لو كان صحيحًا لدار الأمر بين هذا الذي يصلي ولا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر، وبين ذلك الذي لا يصلي مطلقًا، أن يكون هذا الذي لا يصلي مطلقًا أقرب عند الله عز وجل من هذا الذي يصلي ولا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر، وهذا أمر باطل كالشمس في رابعة النهار بطلانه، أي: أن يكون الذي لا يصلي خيرًا عند الله عز وجل من الذي يصلي، ولكن صلاته لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر.
إذا لاحظتم هذا الحديث أنه يتضمن هذا المعنى الباطل، حينئذٍ يصح لنا أن نقول في اصطلاح علماء الحديث: هذا الحديث ضعيف سَنَدًا باطل متنًا، لماذا؟ لأنه يقول: لا يزداد بها من الله إلا بعدًا .. دع يزداد بُعْدًا، إذا ما يصلي هذه الصلاة التي