تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 985
وقيل: في غزوة تبوك أَيرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها هيهات هيهات. فأنزل اللّه تعالى: قُلِ اسْتَهْزِؤُا. والظاهر أن يحذر خبر ويدل عليه:
إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ فقيل: هو واقع منهم حقيقة لما شاهدوا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يخبرهم بما يكتمونه وقع الحذر والخوف في قلوبهم.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ أي ولئن سألتهم عما قالوا من القبيح في حقك وحق أصحابك من قول بعضهم: أنظروا إلى هذا الرجل، يريد أن تفتح له قصور الشام. وقول بعضهم: كأنكم بهم غدا في الجبال أسرى لبني الأصفر. وقول بعضهم: ما رأيت كهؤلاء أرغب بطونا ولا أكثر كذبا ولا أجبن عند اللقاء. فأطلع اللّه نبيّه على ذلك فعنّفهم، فقالوا: يا نبي اللّه ما كنا في شىء من أمرك ولا أمر أصحابك إنما كنا في شىء مما يخوض فيه الركب كنا في غير جد. فنزلت.
قُلْ أَبِاللَّهِ الآية، تقرير على استهزائهم وضمنه الوعيد ولم يعبأ باعتذارهم لأنهم كانوا كاذبين فيه فجعلوا كأنهم معترفون باستهزائهم وبأنه موجود منهم حتى وبخوا بأخطائهم موضع الاستهزاء حيث جعل المستهزأ به على حرف التقرير وذلك إنما يستقيم بعد وقوع الاستهزاء وثبوته وهو حسن، وتقديم وباللّه وهو معمول خبر كان عليها يدل على جواز تقديمه عليها. وعن ابن عمر قال: رأيت قائل هذه المقالة يعني إنما كنا نخوض ونلعب، واسمه وديعة بن ثابت متعلقا بحقب ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يماشيها والحجارة تنكته وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: أَباللّه وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن.
لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ نهوا عن الاعتذارات لأنها اعتذارات كاذبة فهي لا تنفع. قد كفرتم: أظهرتم الكفر. بعد إيمانكم، أي بعد إظهار إيمانكم، لأنهم كانوا يسرون الكفر فأظهروه باستهزائهم وجاء التقسيم بالعفو عن طائفة والتعذيب لطائفة، وكان المنافقون صنفين: صنف أمر بجهادهم، جاهد الكفار والمنافقين وهم رؤساؤهم المعلنون بالأراجيف فعذبوا بإخراجهم من