تفسير النهر الماد من البحر المحيط، القسم الأول ج 2، ص: 197
تعظيم أنفسهم أو استكبروا عن اتباع الرسل وعبادة اللّه تعالى وتبعا يحتمل أن يكون اسم جمع لتابع كخادم وخدم وغائب وغيب ويحتمل أن يكون مصدرا كقوم عدل ورضا وهل أنتم مغنون عنا استفهام معناه توبيخهم إياهم وتقريعهم وقد علموا أنهم لن يغنوا شيئا والمعنى انا تبعناكم فيما كنتم فيه من الضلال كما أمرتمونا وما أغنيتم عنا شيئا ولذلك جاء جوابهم لو هدانا اللّه لهديناكم أجابوا بذلك على سبيل الاعتذار والخجل ورد الهداية إلى اللّه تعالى وهو كلام حق في نفسه. قال الزمخشري: من الأولى للتبيين والثانية للتبعيض كأنه قيل هل أنتم مغنون عنا بعض الشىء الذي هو عذاب اللّه ويجوز أن يكون للتبعيض معا أي هل أنتم مغنون عنا بعض شىء هو بعض عذاب اللّه أي بعض بعض عذاب اللّه.
«انتهى» هذا التوجيهان اللذان وجههما الزمخشري في المكانين يقتضي أولهما التقديم في قوله من شىء على قوله من عذاب اللّه لأنه جعل من شىء هو المبين بقوله: من عذاب اللّه ومن التبيينية يتقدم عليها ما نبينه ولا يتأخر والتوجيه الثاني وهو بعض شىء هو بعض العذاب يقتضي أن يكون بدلا فيكون بدل عام من خاص لأن من شىء أعم من قوله من عذاب اللّه وان عنى بشىء شيئا من العذاب فيؤول المعنى إلى ما قدر وهو بعض عذاب اللّه وهذا لا يقال لأن بعضية الشىء مطلقة فلا يكون لها بعض والظاهر أن قوله: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا إلى آخره داخل تحت قول المستكبرين جاءت جملا بلا واو عطف كأن كل جملة أنشئت مستقلة غير معطوفة وان كانت مرتبطا بعضها ببعض من جهة المعنى لأن سؤالهم هل أنتم مغنون عنا إنما كان لجزعهم مما هم فيه فقالوا لهم في ذلك سووا بينهم في ذلك لاجتماعهم في عقاب الضلالة التي كانوا مجتمعين فيها يقولون ما هذا الجزع والتوبيخ ولا فائدة في الجزع كما لا فائدة في الصبر أو لما قالوا: لو هدانا اللّه اتبعوا ذلك بالاقناط من النجاة فقالوا ما لنا من محيص أي منجى ومهرب جزعنا أم صبرنا وتقدم الكلام في مثل هذه التسوية في البقرة والظاهر أن هذه المحاورة بين الضعفاء والرؤساء هي في موضع العرض وقت البروز بين يدي اللّه تعالى.
وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ مناسبة هذه لما قبلها أنه لما ذكر محاورة الاتباع لرؤسائهم الكفرة ذكر محاورة الشيطان واتباعه من الانس وذلك لاشتراك