تفسير النهر الماد من البحر المحيط، القسم الأول ج 2، ص: 586
قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا الآية يروى أنهما انطلقا إلى فرعون وأديا الرسالة فعرف موسى فقال له ألم نر بك فينا وليدا وفي الكلام حذف يدل عليه المعنى تقديره فأتيا فرعون فقالا له ذلك ولما بادهه موسى بأنه رسول رب العالمين وأمره بإرسال بني إسرائيل معه أخذ يستحقره ويضرب عن المرسل وما جاء به من عنده ويذكره بحالة الصغر والمّن عليه بالتربية والوليد الصبي وهو فعيل بمعنى مفعول أطلق ذلك عليه لقربه من الولادة وقرئ:
فَعْلَتَكَ بفتح الفاء إذ كانت وكزة واحدة وقرأ الشعبي فعلتك بكسر الفاء يريد الهيئة لأن الوكزة نوع من القتل عدد عليه نعمة التربية ومبلغه عنده مبلغ الرجال حيث كان يقتل نظراءه من بني إسرائيل وذكره ما جرى على يده من قتل القبطي وعظم ذلك بقوله وفعلت فعلتك التي فعلت لأن في هذا الإبهام بكونه لم يصرح انها القتل تهويل للواقعة وتعظيم شأنها.
وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ بالنعمة التي لي عليك من التربية والإحسان.
قالَ فَعَلْتُها إِذًا أجابه موسى عليه السّلام عن كلامه الأخير المتضمن للقتل إذ كان الإعتذار فيه أهم من الجواب في ذكر النعمة بالتربية لأن فيه إزهاق النفس.
وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ معناه من الجاهلين بأن وكزتي إياه تأتي على نفسه.
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ الفرار لم يكن منه وحده وإنما هو منه ومن ملائه المذكورين قبل.
وَتِلْكَ إشارة إلى المصدر المفهوم من قوله ألم نر بك فينا وليدا ذكر هذا أخيرا على ما بدأ به فرعون في قوله: ألم نر بك فينا والظاهر أن هذا الكلام إقرار من موسى عليه السّلام بالنعمة يقول وتربيتك لي بنعمة علي من حيث عبدت غيري وتركتني واتخذتني ولدا ولكن لا يدفع ذلك رسالتي قال قتادة هذا منه على جهة الإنكار عليه أن تكون ثم نعمة كأنه يقول أو يصح لك أن تعتد على نعمة ترك قتلي من أجل أنك ظلمت بني إسرائيل وقتلتهم أي ليست بنعمة لأن