تفسير النهر الماد من البحر المحيط، القسم الأول ج 2، ص: 618
علم بخبر مستيقن له وقرئ فمكث بضم الكاف وفتحها وذكر أن مثل سبأ بنبأ يسمى تجنيس التصريف قال: وهو أن تنفرد كل كلمة من الكلمتين عن الأخرى بحرف ومنه قول ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ولفظ بناء لا يكون إلا الخبر الذي له شأن ولفظ الخبر مطلق فيطلق على ماله شأن وما ليس له شأن ولما أبهم الهدهد أولا ثم أبهم ثانيا دون ذلك الإبهام صرح بما كان أبهمه فقال:
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ومعنى وجدت هنا أصبت والضمير في تملكهم عائد على سبأ إن كان أريد به القبيلة وإن أريد الموضع فهو على حذف مضاف أي وجئتك من أهل سبأ والمرأة بلقيس بنت شراحيل وكان أبوها ملك اليمن كلها وقد ولده أربعون ملكا ولم يكن له ولد غيره فغلبت على الملك وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون الشمس.
مِنْ كُلِّ شَيْءٍ هذا على سبيل المبالغة والمعنى من كل شىء احتاجت إليه أو من كل شىء في أرضها.
وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ قيل كرسيها وكان مرصعا بالجواهر وما أحسن ائتلافات هذه الأخبار بعد تهدد الهدهد وعلمه بذلك أخبر أولا باطلاعه على ما لم يطلع عليه سليمان تحصنا من العقوبة برتبة العلم الذي حصلت له فتشوق السامع إلى ذلك ثم أخبر ثانيا بمتعلق ذلك العلم وهو أنه من سبأ وأنه أمر متقين لا يشك فيه فزاد تشوق السامع إلى سماع ذلك النبأ ثم أخبر ثالثا عن الملك الذي أوتيته امرأة وكان سليمان قد سأل اللّه تعالى أن يؤتيه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ثم أخبر رابعا ما ظاهره الاشتراك وبين هذه المرأة التي ليس من شأنها ولا من شأن النساء أن تملك فحول الرجال وهو قول وأوتيت من كل شىء وقوله ولها عرش عظيم وكان سليمان له بساط قد صنع له وكان عظيما ولم يتأثر سليمان للإخبار بهذا كله إذ هو أمر دنياوي أخبره خامسا بما يهزه لطلب هذه الملكة ودعائها إلى الإيمان باللّه تعالى وإفراده بالعبادة فقال:
وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وقرئ إلا بالتخفيف