تفسير النهر الماد من البحر المحيط، القسم الثاني ج 2، ص: 772
فالتفاوت بينهما أكبر إذ ما ميت يساوي في الإدراك حيا فذكر أن الأحياء لا يساوون الأموات سواء قابلت الجنس بالجنس أم قابلت الفرد بالفرد إنتهى كلامه ثم سلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله:
إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ أي إسماع هؤلاء منوط بمشيئتنا وكني بالاسماع عن الذي تكون عنده الإجابة للإيمان ولما ذكر أنه ما يستوي الأحياء ولا الأموات قال:
وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ أي هؤلاء من عدم إصغائهم إلى سماع الحق بمنزلة من قد ماتوا وأقاموا في قبورهم فكما ان من مات لا يمكن أن يقبل منه قول الحق فكذلك هؤلاء لأنهم أموات القلوب.
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ المعنى ان الدعاء إلى اللّه تعالى لم ينقطع عن كل أمة اما بمباشرة من أنبيائهم وإما بنقل إلى وقت بعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم.
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ مسلاة له عليه السّلام وتقدم الكلام عليه.
فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ توعد لقريش بما جرى لمكذبي رسلهم.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً الآية لما قرر تعالى وحدانيته بأدلة قربها وأمثال ضربها أتبعها بأدلة سماوية وأرضية فقال: أَلَمْ تَرَ. وجدد جمع جدة كدرة ودرر وهو الطريق الواضح المبين وضعه موضع الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها بعضا من بعض. وقال مختلف ألوانها لأن البياض والحمرة تتفاوت بالشدة والضعف فأبيض لا يشبه أبيض وأحمر لا يشبه أحمر وإن اشتركا في القدر المشترك لكنه مشكك والظاهر عطف وغرابيب على حمر عطف ذي لون والظاهر أنه لما ذكر الغربيب وهو الشديد السواد لم يذكر فيه مختلف ألوانه لأنه من حيث جعله شديد السواد وهو البالغ في غاية السواد لم يكن له ألوان بل هذا لون واحد بخلاف البيض والحمر فإنها تختلف والظاهر أن قوله: بيض وحمر ليسا مجموعين في جدة واحدة بل المعنى جدد بيض وجدد حمر وجدد غرابيب ويقال أسود حلكوك وأسود غربيب وسود توكيد لغرابيب.