تفسير النهر الماد من البحر المحيط، القسم الثاني ج 2، ص: 877
وقوله: وهي في أي أغرب ان عنى أيا على الإطلاق فليس بصحيح لأن المستفيض في النداء أن تؤنث في نداء المؤنث كقوله تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ولا يعلم من يذكرها فيه فيقول يا أيها المرأة إلا صاحب كتاب البديع في النحو وإن عنى غير المناداة فكلامه صحيح يقل تأنيثها في الاستفهام وموصولة وشرطية وما في قوله: فما أغنى نافية أو استفهامية في معنى النفي والضمير في جاءتهم عائد على الذين من قبلهم وجاء بقوله: من العلم على جهة التهكم بهم أي في الحقيقة لا علم لهم وإنما لهم خيالات واستبعادات لما جاءت به الرسل وكانوا يدفعون ما جاءت به الرسل بنحو قولهم ولئن رددّت إلى ربي أو اعتقدوا أن عندهم علما يستغنون به عن علم الأنبياء عليهم السّلام كما تزعم الفلاسفة والدهريون كانوا إذا سمعوا بوحي اللّه تعالى دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم ولما سمع سقراط لعنه اللّه بموسى عليه السّلام قيل له لو هاجرت إليه فقال نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا وعلى هذين القولين تكون الضمائر متناسقة عائدة على مدلول واحد.
بَأْسَنا أي عذابنا الشديد حكي حال من آمن بعد تلبس العذاب به وإن ذلك لم يكن نافعا وفي ذلك حض على المبادرة إلى الإيمان وتخويف من التأني وإيمانهم رفع بيك إسما لها أو فاعل ينفعهم وفي يك ضمير الشأن على الخلاف الذي في كان يقوم زيد ودخل حرف النفي على الكون لا على النفع لأنه يؤدي إلى نفي الصحة أي لم يصح ولم يستقم كقوله تعالى: ما كان اللّه أن يتخذ من ولد وترادف هذه الفاآت أما في فما أغنى عنهم فلأنه كان نتيجة قوله: كانوا أكثر منهم ولما جاءتهم رسلهم جار مجرى البيان والتفسير لقوله: فَما أَغْنى وفلما رأوا بأسنا تابع لقوله فلما جاءتهم كأنه قال فكفروا به فلما رأوا بأسنا آمنوا وفلم يك ينفعهم إيمانهم تابع لإيمانهم لما رأوا بأسنا وانتصب سنة على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة أي ان ما فعل بهم هي سنة اللّه التي قد مضت وسبقت في عباده من إرسال الرسل والاعذار بهم وتعذيب من كذبهم واستئصالهم بالهلاك وعدم الانتفاع بالإيمان حالة تلبس العذاب بهم وهنالك ظرف مكان استعير للزمان أي وخسر في ذلك الوقت الكافرون.