تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 329
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ. وهي العلامة ثم أخذ في تفسيرها، فقال: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ أي أصوّر. كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أي مثل صورته. وقرئ اني أخلق بفتح الهمزة وكسرها. وقوله: من الطين تقييد بأنه لا يوجد من العدم الصرف بل ذكر المادة التي يشكل منها صورة الطير. وقرئ كهيّة بكسر الهاء وياء مشددة وتواطئ النقل عن المفسرين ان الطائر الذي خلقه عيسى كان يطير مادام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل المخلوق عن فعل الخالق والظاهر ان هذه الفوارق كلها تفسير للآية التي جاء بها دالة على صحة رسالته وإن ذلك ليس باقتراح منهم. والطير قيل: هو الخفاش وهو غريب الشكل والوصف، والأكمه: المولود أعمى، يقال: من كمه يكمه، البرص: داء معروف وهو بياض يعتري الجلد، يقال. منه: برص فهو أبرص.
وَأُحْيِ الْمَوْتى لم يذكر تعيين من أحياه وذكر المفسرون ناسا واللّه أعلم بصحة ذلك. وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ كان عليه الصلاة والسّلام ينبئهم بتعيين ما أكلوا وتعيين ما ادّخروا. وأتى بهذه الخوارق الأربع مصدرة بالمضارع الدال على التجدد والحالة الدائمة، وبدأ بالخلق الذي هو أعظم في الإعجاز، وثني بإبراء الأكمه والأبرص، وأتى بالثالث بإحياء الموتى وهو خارق شاركه فيه غيره بإذن اللّه كررها دفعا لمن توهم فيه الإلهية وكان بإذن اللّه عقب قوله: انني أخلق، وعطف عليه: وابرئ الأكمه والأبرص، ولم يذكر بإذن اللّه اكتفاء به في الخارق الأعظم، وعقب قوله: وأحيي الموتى بقوله: بإذن اللّه، وعطف عليه وأنبئكم ولم يذكر فيه بإذن اللّه لأن أحياء الأموات أعظم من الاخبار بالمغيبات فاكتفى به في الخارق الأعظم أيضا فكل واحد من الخارقين الأعظمين قيد بقوله: بإذن اللّه، ولم يحتج إلى ذلك فيما عطف عليهما اكتفاء بالأول إذ كل هذه الخوارق لا تكون إلا بإذن اللّه.
وقرئ وما تدخرون بفكّ الذال عن الدال.
إِنَّ فِي ذلِكَ إشارة إلى ما تقدم من هذه الخوارق.
وَمُصَدِّقًا انتصب على أنه معطوف على قوله: بآية على أن بآية في موضع الحال تقديره جئتكم مصحوبا بآية ومصدّقا ولأحل: اللام لام كي وهو معطوف على علة محذوفة التقدير لأخفف عنكم ولاحل أو على فعل متأخر التقدير ولا حل لكم جئت قال الزمخشري ولأهل ردّ على قوله: بآية من ربكم أي جئتكم بآية من ربكم ولا حل