تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 46
وأجزل وكأنه ما اتكل على أن يبشر المؤمنين كل سامع بل نص على أعظمهم وأصدقهم ليكون ذلك أوثق عندهم وأقطع في الاخبار بهذه البشارة العظيمة إذ تبشيره تبشير من اللّه تعالى والجملة من
«وَبَشِّرِ» معطوفة على ما قبلها وليس الذي اعتمدت بالعطف عليه هو الأمر حتى يطلب مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه، إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والإزهاق، وبشر عمرا بالعفو والاطلاق: قاله الزمخشري وتبعه أبو البقاء. وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن يكون قوله: وبشر، معطوفا على قوله: فاتقوا النار، ليكون عطف أمر على أمر.
قال الزمخشري: كما تقول: يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم. «انتهى» .
وهذا خطأ لأن قوله: فاتقوا النار، جواب للشروط وموضعه الجزم والمعطوف على الجواب جواب ولا يمكن في قوله: وبشر، أن يكون جوابا لأنه أمر بالبشارة مطلقا لا على تقدير فإن لم تفعلوا، بل أمر أن يبشر الذين آمنوا أمرا ليس مترتبا على شيء قبله. وليس قوله: وبشر، على إعرابه مثل ما مثل به من قوله: يا بني تميم إلى آخره. لأن قوله: احذروا لا موضع له من الاعراب، بخلاف قوله: فاتقوا فلذلك أمكن فيما مثل به العطف ولم يمكن في: وبشر. وقرئ: وبشر ماضيا مبنيا للمفعول.
قال الزمخشري: عطفا على أعدت. «انتهى» .
وهذا الاعراب لا يتأتى على قول من جعل أعدت جملة في موضع الحال، لأن المعطوف على الحال حال، وبشر لا يكون حالا وبشر يتعدى إلى مفعول بنفسه وإلى آخر بحرف الجر وهو قوله: إن لهم جنات، وحذف منه الحرف وهو في موضع نصب على مذهب الخليل لا في موضع جر خلافا لمن قال: مذهب الخليل انه في موضع جر وهو ابن مالك قاله في التسهيل وهو كان قليل الالمام بكتاب سيبويه وجاءت صلة الموصول بالماضي لا باسم فاعل دلالة على أن المستحق للتبشير بفضل اللّه من وقع فيه الإيمان وتحقق به وبالعمل الصالح.
والصَّالِحاتِ صفة جرت مجرى الأسماء فوليت العوامل فانتصبت على أنها مفعول به مأل فيها للجنس لا للعموم، والظاهر أن من اقتصر على الإيمان فقط دون العمل الصالح لا يكون مبشرا بالجنة من هذه الآية.