تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 56
رَبُّكَ وفي الخطاب هو لاستماع ما يذكر بعده من غريب افتتاح هذا العالم الإنساني وشيء من أحواله ومآله وإشارة إلى الخطاب الأعظم من الجملة المخبر بها إذ هو عليه السّلام أعظم خلفائه والخليفة فعيلة بمعنى الفاعل والهاء للمبالغة وقيل بمعنى المفعول كالنطيحة والهاء للمبالغة واللام في الملائكة للتبليغ. والجعل الظاهر أنه الخلق وقيل التصيير ويقال سفك وسفّك مضعفا وأسفك ومضارع سفك يسفك ويسفك بكسر الفاء وضمها والسفك الصب.
والدماء جمع دم محذوف اللام ووزنه فعيل وقيل فعل وقصره وتضعيفه مسموع. والتقديس التطهير والتسبيح التنزيه والبراءة من السوء.
وقرىء خليقة بالقاف والظاهر عموم الملائكة وقيل الذين كانوا يسكنون الأرض وعموم الأرض وقيل أرض مكة وذكروا في قول اللّه للملائكة ما قال أمورا لا تقطع بصحتها وللّه سبحانه وتعالى أن يخاطب من شاء بما شاء وإن خفيت الحكمة.
ولما كانت الملائكة لا تعلم الغيب ولا تسبق بالقول لم يكن قولهم أَتجعل فيها «الآية» إلا عن نبأ سابق ومقدمة لم تذكر في القرآن فنعّلمها قيل وهو استفهام على معنى التعجب من استخلاف اللّه من يعصيه وقيل على طريق الاكبار للاستخلاف والعصيان ولما كان قول الملائكة مع عصمتهم ظاهرة الاعتراض تأول العلماء جوابهم على وجوه أحسنها عندي أنهم كانوا حين القول لهم فجملين وإبليس مندرج في جملتهم فورد منهم الجواب مجملا فلما انفصل إبليس عن جملتهم بآبائه واستكباره انفصل الجواب إلى نوعين فنوع الاعتراض كان عن إبليس وأنواع التقديس والتسبيح كان عن الملائكة فانقسم الجواب إلى قسمين كانقسام الجنس إلى نوعين وناسب كل جواب من ظهر عنه وقرىء ويسفك بضم الياء ويسفك بشد الفاء وقرىء ويسفك بنصب الكاف على جواب الاستفهام.
وقال ابن عطية: النصب بواو الصرف. «انتهى» . وليس ذلك من مذاهب البصريين ولما كانت صلة من يفسد وهو مضارع مثبت فلا يدل على التعميم في الفساد نصوا على أعظم الفساد وهو سفك الدماء إذ هو إفساد للهياكل الجسمانية التي خلقها اللّه وتكرر فيها تنبيها على أن ما كان محلا للعبادة لا يكون محلا للفساد والباء في بِحَمْدِكَ للحال أي ملتبسين بحمدك.