تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 590
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مفعول شاء محذوف تقديره ولو شاء جعلكم أمة واحدة.
وحذف لدلالة الجواب عليه وهو قوله: لجعلكم أمة واحدة في اتباع الحق أو اتباع الباطل.
وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ أي ولكن لم يشأ ذلك ليختبركم فيما آتاكم من الكتب. فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أي استقبلوا الأعمال الصالحة وهي التي عاقبها أحسن الأشياء. إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا هو استئناف في معنى التعليل لأمره تعالى باستباق الخيرات كأنه يقول: تظهر ثمرة استباق الخيرات والمبادرة إليها في وقت الرجوع إلى اللّه تعالى ومجازاته. فَيُنَبِّئُكُمْ أي فيخبركم بأعمالكم وهي كناية عن المجازاة بالثواب والعقاب وهو إخبار إيقاع. وبهذه التنبئة يظهر الفصل بين المحق والمبطل والمستبق والمقصر في العمل. ونبأ هنا جاءت على وضعها الأصلي من تعديتها إلى واحد بنفسه وإلى آخر بحرف الجر ولم يضمنها معنى أعلم فيعيدها إلى ثلاثة.
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ سبب نزولها قال ابن عباس: قال بعض اليهود لبعض منهم ابن صوريا وشاس بن قيس وكعب بن أسيد: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه، فقالوا: يا محمد قد عرفت انا احبار يهود وأشرافهم وان اتبعناك اتبعك كل اليهود وبيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ويؤمن بك، فأبى ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت. وان أحكم ذكروا في إعرابه وجوها والذي نختاره أن يكون في موضع رفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر مؤخرا والتقدير وحكمك بما أنزل اللّه أمرنا وقولنا أو مقدما والتقدير ومن الواجب حكمك بما أنزل اللّه وأبعد من ذهب إلى أنه في موضع نصب عطفا على الكتاب أي وأنزلنا إليك الكتاب والحكم أو في موضع جر عطفا على بالحق أي بالحق والحكم.
وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ أي يستزلوك وحذره تعالى عن ذلك وإن كان مأيوسا من فتنتهم إياه وموضع أن يفتنوك نصب على البدل تقديره واحذرهم فتنتهم إياك أو يكون مفعولا من أجله تقديره من أن يفتنوك وحذف من. فَإِنْ تَوَلَّوْا الآية أي فإن تولوا عن الحكم بما أنزل اللّه وأرادوا غيره ومعنى أن يصيبهم ببعض ذنوبهم أي يعذبهم ببعض آثامهم وأبهم بعضا هنا ويعني به واللّه أعلم التولي عن