تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 59
ومنادى مضافا قولان مرغوب عنهما، والكاف في سبحانك مفعول أضيف إليه سبحانك أي تنزيهك وقيل فاعل أي تنزهت، وقدموا بين يدي الجواب تنزيه اللّه تعالى اعتذارا وأدبا منهم في الجواب وإشعارا بأن ما صدر منهم قبل يمحوه هذا التنزيه للّه تعالى، ثم أجابوا بنفي العلم بلفظ لا والنكرة التي تستغرق كل فرد فرد من أنواع العلوم ثم استثنوا من ذلك مما علمهم هو تعالى وهذا غاية في ترك الدعوى والاستسلام التام للمعلم الأول اللّه تعالى وانظر إلى حسن هذا الجواب قدموا بين يديه تنزيه اللّه سبحانه وتعالى ثم اعترفوا بالجهل ثم نسبوا العلم للّه تعالى واردفوا صفة العلم بصفة الحكمة إذ بان لهم وصف الحكمة في قوله:
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وقدم وصف العلم لأن الذي ظهرت به المزية لآدم هو العلم ولأن الحكمة من آثار العلم.
قالَ يا آدَمُ ناداه باسمه العلم وكذا نادى أنبياءه يا نوح يا موسى يا داود ونادى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم يا أيها الرسول يا أيها النبي فانظر تفاوت ما بين النداءين، وحين خاطب الملائكة قال: انبؤني، وقال: يا آدم أنبئهم، فجعل من اعترضوا به معلما لهم ومنبئهم بما تقاصرت عنه علومهم ليظهر بذلك شفوقه عليهم.
فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ بين هذه الجملة والتي قبلها جملة محذوفة والتقدير فأنباهم وقرىء أنبئهم بالهمزة وضم الهاء وبالهمز وكسر الهاء. وأنبهم بإسقاط الهمزة.
وغيب السموات والأرض هو ما تقاصرت عنه علوم الخلق والهمزة من «الم» للقرير.
وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ أي من الطاعات. واعلم مضارع، وما: مفعول فالخلاف فيه كالخلاف في واعلم ما لا تعلمون.
وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ من شفوفهم على من يجعله خليفة وفي قوله: وما كنتم تكتمون، دلالة على أن الكتم وقع فيما مضى، وليس المعنى كتمه عن اللّه لأنهم أعرف باللّه واعلم، فلا يكتمون اللّه شيئا، وإنما المعنى أنهم هجس في أنفسهم شيء كتمه بعضهم عن بعض والابداء والكتم طباق من علم البديع.