فهرس الكتاب
تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 613
نياتكم. وفي الاخبار عنه تعالى بهاتين الصفتين تهديد ووعيد على ما يقولونه ويعتقدونه وتضمنت الآية الإنكار عليهم حيث عبدوا من دونه من هو متصف بالعجز عن دفع أو جلب نفع. قيل: ومن مرت عليه مدد لا يسمع فيها ولا يعلم لجدير أن لا يعبد كيف وقد تركوا عبادة القادر على الإطلاق السميع للأصوات العليم بالنيات.
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا ظاهره نداء أهل الكتاب الحاضرين زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويتناول من جاء بعدهم ولما سبق القول في أباطيل اليهود وثنى بأباطيل النصارى جمع الفريقان في النهر عن الغلو في الدين وانتصب غير الحق على معنى غلوا غير الحق وهو الغلو الباطل. وليس المراد هنا بالدين ما هم عليه بل المراد الدين الحق الذي جاء به موسى وعيسى عليهما السّلام. ومن غلو اليهود إنكار نبوة عيسى وادعاؤهم فيه أنه لغيه ومن غلو النصارى ما تقدم من اعتقاد بعضهم فيه أنه اللّه وبعضهم أنه أحد آلهة ثلاثة.
وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ الآية، هؤلاء القوم هم أسلاف اليهود والنصارى ضلوا في أنفسهم وأضلوا غيرهم كثيرا ثم عين ما ضلوا عنه وهو السبيل السوي المتوسط في الدين. وتخصيص ابن عطية والزمخشري عموم أهل الكتاب بالنصارى خروج عن الظاهر وهو العموم من غير داعية إلى ذلك ويؤيد العموم قوله بعد ذلك على لسان داود وعيسى ابن مريم، داود بالنسبة إلى اليهود وعيسى بالنسبة إلى النصارى.
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية، قال ابن عباس: لعنوا بكل لسان لعنوا على عهد موسى في التوراة وعلى عهد داود في الزبور وعلى عهد عيسى في الإنجيل وعلى عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في القرآن ولعن مبني للمفعول حذف فاعله فيجوز أن يكون اللّه ويجوز أن يكون الفاعل غيره تعالى كالأنبياء. والأفصح أنه إذا فرق بين الجزأين اختير لفظ الإفراد على لفظ التثنية وعلى لفظ الجمع فلذلك جاء على لسان مفردا ولم يأت على لساني داود وعيسى ولا على ألسن داود وعيسى فلو كان المتضمنان غير مفترقين اختير لفظ الجمع على التثنية وعلى الإفراد نحو قوله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما، والمراد باللسان هنا الجارحة لا اللغة أي أن الناطق بلعنهم هو لسان داود وعيسى. ذلِكَ بِما عَصَوْا أي ذلك اللعن كائن بسبب عصيانهم وذكر هذا