فهرس الكتاب

الصفحة 642 من 2254

تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 623

إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ الآية ذكر تعالى في الخمر والميسر مفسدتين إحداهما دنيوية والأخرى دينية فاما الدنيوية فإن الخمر تثير الشرور والحقود وتؤول بشرابها إلى التقاطع، وأما الميسر فإن الرجل لا يزال يقامر حتى يبقى سلبيا لها شيء له وينتهي من سوء الصنيع في ذلك إلى أن يقامر حتى على أهله وولده فيؤدي به ذلك الحال إلى أن يصير أعدى عدو ولمن قمره وغلبه لأن ذلك يؤخذ منه على سبيل القهر والغلبة، وأما الدينية فالخمر لغلبة السرور بها والطرب على النفوس والاستغراق في الملاذّ الجسمانية تلهي عن ذكر اللّه تعالى وعن الصلاة والميسر إن كان غالبا به انشرحت نفسه ومنعه حب الغلب والقهر والكسب عن ذكر اللّه تعالى وإن كان مغلوبا فما حصل له من الانقباض والندم والاحتيال إلى أن يصير غالبا لا يخطر بقلبه ذكر اللّه تعالى فأفرد الخمر والميسر هنا وإن كان قد جمعا مع الأنصاب والأزلام. قيل: لأن الخطاب كان للمؤمنين وإنما ذكر معهما الأنصاب والأزلام تأكيدا لقبح الخمر والميسر وتبعيدا عن تعاطيهما فنزلا في الترك منزلة ما قد تركه المؤمنون من الأنصاب والأزلام والعداوة تتعلق بالأمور الظاهرة وعطف عليها ما هو أشد منها وهو البغضاء لأن متعلقها القلب، كذلك ذكر اللّه عطف عليه ما هو ألزم وأوجب وآكد وهو الصلاة وفيما ينتجه الخمر والميسر من العداوة والبغضاء والصد عن ذكر وعن الصلاة أقوى دليل على تحريمها وعلى أن ينتهي المسلم عنها، ولذلك جاء بعد:

فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وهذا الاستفهام من أبلغ ما ينهى به كأنه قيل قد تلى عليكم ما فيها من المفاسد الدنيوية والدينية التي توجب الانتهاء فهل أنتم منتهون أم باقون على حالكم مع علمكم بتلك المفاسد وجعل الجملة إسمية، والمواجهة لهم بأنتم أبلغ من جعلها فعلية. وقيل: هو استفهام تضمن معنى الأمر أي فانتهوا، ولذلك قال عمر: انتهينا يا رب.

وَأَطِيعُوا اللَّهَ هذا أمر والأحسن أن لا يقيد الأمر هنا بل أمروا أن يكونوا طائعين دائما حذرين لأن الحذر مدعاة إلى عمل الحسنات واتقاء السيئات. فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي فإن أعرضتم فليس على الرسول إلا أن يبلغ أحكام اللّه وليس عليه خلق الطاعة فيكم ولا يلحقه من توليكم شيء بل ذلك لاحق بكم، وفي هذا من الوعيد البالغ ما لا خفاء به إذ تضمن أنّ عقابكم إنما يتولاه المرسل لا الرسول.

ووصف البلاغ بالمبين اما لأنه بين في نفسه واضح. وإما لأنه مبين لكم أحكام اللّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت