تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 622
لا تجزئ، وللعلماء اختلاف كثير فيما يكسى به الفقير في الكفارة مذكور في كتب الفقه. والظاهر إطلاق الإطعام والكسوة والرقبة، ويجزئ ما دل عليه الإسم مما جرت به العادة. والظاهر حصول الكفارة بتحرير ما يصدق عليه رقبة من غير اعتبار شيء آخر فيجزئ عتق الكافر وذي العاهة، وبه قال داود وجماعة من أهل الظاهر، وقال مالك: لا يجزئ كافر ولا أعمى ولا أبرص ولا مجنون.
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ أحد هذه الثلاثة التي وقع فيها التخيير من الإطعام والكسوة والتحرير فالواجب عليه صيام ثلاثة أيام. ومن لم يجد شرطية، وما بعده جملة الجزاء وقدرناه فالواجب عليه، فالهاء في عليه عائدة على من، وصيام خير.
ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ أي ذلك المذكور. واستدل بهذا الشافعي على جواز التكفير بعد اليمين وقبل الحنث وفيها تنبيه على أن الكفارة قبل اليمين لا تجوز، وذهب الجمهور إلى أن التكفير لا يكون إلا بعد الحنث، فهم يقدرون محذوفا أي إذا حلفتم وحنثتم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية نزلت بسبب قصة سعد بن أبي وقاص حين شرب طائفة من الأنصار والمهاجرين وتفاخروا فقال سعد:
المهاجرون خير. فرماه أنصاري بلحمي جمل فغزر أنفسه. وتقدم الكلام على الخمر والميسر في البقر وذكروا حد الأنصاب في قوله: وما ذبح، على النصب والأزلام في قوله: وأن تستقسموا بالأزلام، في أوائل هذه السورة.
رِجْسٌ قال الزجاج الرجس اسم لكل ما استقذر من عمل. يقال:
رجس الرجل يرجس رجسا إذا عمل عملا قبيحا. وقال ابن دريد: الرجس الشر. ولما كان الشيطان هو الداعي إلى التلبس بهذه المعصية والمغري بها جعلت من عمله وفعله ونسبت إليه على جهة المجاز والمبالغة في كمال تقبيحه كما جاء فَوَكَزَهُ موسى فقضى عليه، قال: هذا من عمل الشيطان. والضمير في فاجتنبوه عائد على الرجس المخبر به عن الأربعة فكان الأمر باجتنابه متناولا لها.
وقال الزمخشري: فإن قلت: إلى م يرجع الضمير في قوله: فاجتنبوه؟ قلت: إلى المضاف المحذوف. كأنه قيل: إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما وما أشبه ذلك ولذلك قال: رجس من عمل الشيطان. «انتهى» . ولا حاجة إلى تقدير هذا المضاف بل الحكم على هذه الأربعة أنفسها أنها رجس أبلغ من تقدير ذلك المضاف كقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ.