فهرس الكتاب
تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 681
لتضرعوا والتحضيض بدل على أنه يقع تضرعهم حين جاء البأس، فمعناه إظهار معاتبة بذنب غائب وإظهار سوء فعله. وإسناد المجيء إلى البأس مجاز عن وصوله إليهم، والمراد أوائل البأس وعلاماته.
وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ أي صلبت وصبرت على ملاقاة العذاب لما أراد اللّه تعالى من كفرهم ووقوع لكن هنا حسن لأن المعنى انتفاء التذلل عند مجيء البأس. ووجود القسوة الدالة على العتو والتعزز فوقعت لكن بين ضدين وهما اللين والقسوة، وكذا إن كانت القسوة عبارة عن الكفر فعبر بالسبب عن المسبب والضراعة عبارة عن الإيمان فعبر بالمسبب عن السبب كانت أيضا واقعة بين ضدين. تقول: فسأقلبه فكفر وآمن فتضرع.
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ يحتمل أن تكون الجملة داخلة تحت الاستدراك.
ويحتمل أن يكون استئناف اخبار، والظاهر الأول فيكون الحامل على ترك التضرع قسوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التي كان الشيطان سببا في تحسينها لهم.
فَلَمَّا نَسُوا أي تركوا الاتعاظ والازدجار بما ذكروا به من البأس استدرجناهم بتسير مطالبهم الدنيوية وعبّر عن ذلك بقوله: فتحنا عليهم أبواب كل شىء إذ يقتضي شمول الخيرات وبلوغ الطلبات.
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً ومعنى هذه الجملة معنى قوله:
ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما.
وفي الحديث الصحيح عن عقبة بن عامر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: إذا رأيت اللّه يعطي العباد ما يشاؤن على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم. ثم تلا: فلما نسوا، الآية. والأبواب عبارة عن الأسباب التي هيأها اللّه لهم المقتضية لبسط الرزق عليهم والإيهام في هذا العموم لتهويل ما فتح عليهم وتعظيمه، وغيا الفتح بفرحهم بما أوتوا وترتب على فرحهم أخذهم بغتة أي إهلاكهم فجأة وهو أشد الاهلاك إذ لم يتقدم شعور به فتتوطن النفس على لقائه ابتلاهم أولا بالبأساء والضراء فلم يتعظوا ثم نقلهم إلى ما أوجب سرورهم من إسباغ النعم عليهم