تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 832
أو تصدونهم إذ هذا الضمير لا يجوز حذفه على قول الأكثرين إلا ضرورة: وعلى قول بعض النحاة: يحذف في قليل من الكلام. ويدل على أن من آمن منصوب بتصدون الآية الأخرى وهي: قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل اللّه من آمن فنصبه بتوعدون بعيد هذا مع التكلفات المضافة إلى ذلك فكان جديرا بالمنع لما في ذلك من التعقيد البعيد عن الفصاحة. قال ابن عطية: يجوز أن يعود على شعيب في قوله من رأى القعود على الطرف تفرد عن شعيب. «انتهى» . وهذا بعيد لأن القائل ولا تقعدوا هو شعيب فكان يكون التركيب من آمن بي ولا يسوغ هنا أن يكون التفاتا، لو قلت: يا هند أنا أقول لا تهيني من أكرمه، تريد أكرمني لم يصح، وتبغونها الضمير عائد على سبيل اللّه والسبيل تذكر وتؤنث وهي جملة حالية أي باغيها والتقدير تبغون لها عوجا.
وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ روي أن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى اللّه تعالى في نسلها بالبركة والنماء فكثروا وفشوا.
وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ هذا تهّديد لهم وتذكير بعاقبة من أفسد قبلهم وتمثيل لهم بمن حل به العذاب من قوم نوح وهود وصالح ولوط وكانوا قريبي عهد بما أصاب المؤتفكة وإعراب هذه الجملة كإعراب الجمل الواقعة أثر قصة قوم لوط، قال الزمخشري: إذ مفعول به غير ظرف أي واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلا عددكم فكثركم اللّه ووفى عددكم.
«انتهى» . وذكر غيره أنه منصوب على الظرف فلا يمكن أن يعمل فيه واذكروا لاستقبال واذكروا وكون إذ ظرفا لما مضى والقلة والتكثير هنا بالنسبة إلى الأشخاص أو إلى الفقر والغنى، أو إلى قصر الأعمار وطولها، أقوال ثلاثة أظهرها الأول. وقال الزمخشري: إذ كنتم أقلة أذلة فأعزكم بكثرة العدد والعدد. «انتهى» . ولا ضرورة تدعو إلى حذق صفعة وهي أذلة، ولا إلى تحميل قوله: فكثركم معنى بالعدد. ألا ترى أن القلة لا تستلزم الذلة ولا الكثرة تستلزم العزة. قال الشاعر:
تعيّرنا انا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل.