تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 831
ولا تقعدوا بكل صراط ولا تقتدوا بالشيطان. في قوله: لأقعدن لهم صراط المستقيم فتقعدوا بكل صراط أي بكل منهاج من مناهج الدين. والدليل على أن المراد بالصراط سبيل الحق قوله:
وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فإن قلت: صراط الحق واحد وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق به عن سبيله. فكيف قيل:
بكل صراط؟ قلت: صراط الحق واحد ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة فكانوا إذا رأوا واحد يشرع في شىء منها أوعدوه وصدوه عنها. انتهى جمل القعود والصراط على المجاز وقد تقدم أن الظاهر أنه حقيقة وأنهم كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون انه كذاب فلا تذهب إليه على نحو ما كانت قريش تفعله مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. ولا تظهر الدلالة على أن الصراط سبيل الحق من قوله:
وتصدون عن سبيل اللّه، كما ذكر بل الظاهر التغاير لعموم كل صراط وخصوص سبيل اللّه، فيكون بكل صراط حقيقة في الطرق وسبيل اللّه مجاز عن دين اللّه.
والباء في بكل صراط ظرفية نحو: زيد بالبصرة أي في كل صراط وفي البصرة.
تُوعِدُونَ جملة حالية أي من جاء للإيمان بشعيب.
وَتَصُدُّونَ معطوف على توعدون. قال الزمخشري: فإن قلت: إلى م يرجع الضمير في من آمن به؟ قلت: إلى كل صراط تقديره توعدون من آمن به وتصدون عنه، فوضع الظاهر الذي هو سبيل اللّه موضع الضمير زيادة في تقبيح أمرهم دلالة على عظم ما يصدون عنه. هذا تعسف في الإعراب لا يليق أن يحمل عليه القرآن لما في التقديم والتأخير ووضع الظاهر موضع المضمر من غير حاجة إلى ذلك، وعود الضمير على ابعد مذكور مع إمكان عوده على أقرب مذكور الإمكان. السائغ الحسن الراجح. وجعل من آمن منصوبا بتوعدون فيصير من أعمال الأول وهو قليل. وقد قال النحاة: انه لم يرد في القران لقلته. ولو كان من أعمال الأول للزم ذكر الضمير في الفعل الثاني وكان يكون التركيب وتصدونه