تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 849
قالَ أَلْقُوا أمرهم موسى عليه السّلام بالتقدم وثوقا بالحق وعلما أن اللّه تعالى يبطله كما حكى اللّه تعالى عنه قال موسى: ما جئتم به السحر إن اللّه سيبطله.
فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ أي أروا العيون بالحيل والتخيلات ما لا حقيقة له كما قال تعالى يخيّل إليه من سحرهم أنها تسعى، وفي قوله:
سحروا أعين الناس دلالة على أن السحر لا يقلب عينا وإنما هو من باب التخييل.
وَاسْتَرْهَبُوهُمْ أي ارهبوهم واستفعل عنا بمعنى أفعل كابل واستبل.
والرهبة: الخوف والفزع قال الزمخشري: واسترهبوهم إرهابا شديدا كأنهم استدعوا رهبتهم. «انتهى» . وقال ابن عطية: واسترهبوهم بمعنى وارهبوهم فكأن فعلهم اقتضى واستدعى الرهبة من الناس. «انتهى» . ولا يظهر ما قالا لأن الاستدعاء والطلب لا يلزم منه وقوع المستوى والمطلوب. والظاهر هنا حصول الرهبة فلذلك قلنا: ان استفعل فيه موافق افعل، ووصف السحر بعظيم لقوة ما خيّل أو لكثرة آلاته من الحبال والعصي روي أنهم جاؤا بحبال من أدم وأخشاب مجوّفة مملوءة زيبقا وأوقدوا في الوادي نارا فحميت النار من تحت والشمس من فوق فتحركت وركب بعضهما بعضا وهذا من باب الشعبذة والدك.
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ الظاهر أنه وحي إعلام كما روي أن جبريل عليه السّلام أتاه فقال له: إن الحق يأمرك أن تلقي عصاك. وكونه وحي إعلام فيه تثبيت للجاش وتبشير بالنصر. وان يحتمل أن تكون المفسرة بمعنى أي لأنه تقدمها معنى القول وهو، وأوحينا فالمعنى أن ألق عصاك. وأن تكون الناصبة دخلت على فعل الأمر فينسبك منهما مصدر تقديره بالإلقاء وفي الكلام حذف قبل الجملة الفجائية أي فألقاها فإذا هي تلقف وتكون الجملة الفجائية اخبارا بما ترتب على الإلقاء. وقرئ: تلقف بحذف التاء وأصلها تتلقف وبإدغام التاء في التاء في تلقف. وقرئ: تلقف مضارع لقف، وما موصولة أي ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرنه أو مصدرية أي تلقف