تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 904
أحيانا فكان الكفار يقولون:
لَوْ لا اجْتَبَيْتَها ومعنى هذه اللفظة في كلام العرب تخيّرتها واصطفيتها. قال ابن عباس: هلا اخترعتها واختلقتها من قبلك ومن عند نفسك، ولو لا هي للتحضيض بمعنى هلا.
قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي الآية، بيّن أنه ليس مجيء الآيات إليه إنما هو متبع ما أوحاه اللّه إليه ولست بمفتعلها ولا مقترحها.
وهذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ أي هذا الموحى إلي الذي أنا أتبعه لا أبتدعه وهو القرآن بصائر أي حجج وبينات يبصر بها وتتضح الأشياء الخفيات، وهي جمع بصيرة كقوله تعالى: عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي، أي على أمر جلّي منكشف وأخبر عن المفرد بالجمع لاشتماله على سور وآيات. وقيل: هو على حذف مضاف أي ذو بصائر.
وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي دلالة على الرشد، ورحمة في الدين والدنيا. وخصّ المؤمنين بأنهم هم الذين يستبصرون وهم الذين ينتفعون بالوحي يتبعون ما أمر به فيه ويجتنبون ما ينهون عنه فيه ويؤمنون بما تضمنه.
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ الآية، روي أنها نزلت في المشركين كانوا إذا صلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقولون: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه. فنزلت جوابا لهم. ولما ذكر أن القرآن بصائر وهدى ورحمة أمر باستماعه إذا شرع في قراءته، وبالإنصات وهو السكوت مع الإصغاء إليه، لأن ما اشتمل على هذه الأوصاف فمن البصائر والهدى والرحمة حريّ بأن يصغي إليه حتى يحصل منه للمنصت هذه النتائج العظيمة وينتفع بها فيستبصر من العمى ويهتدي من الضلالة ويرحم بها. والظاهر استدعاء الاستماع والإنصات إذا أخذ في قراءة القرآن ومتى قرئ.
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ الآية لما أمرهم تعالى بالاستماع والإنصات إذا شرع في قراءته ارتقى من أمره تعالى إلى أمر رسوله عليه الصلاة والسّلام بذكر