تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 970
أخرجتك، وقصة خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر مذكورة في السير. وانتصب ثاني اثنين على الحال أي أحد اثنين وهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر، وروي أنه لما أمر بالخروج قال لجبريل عليه السّلام: من يخرج معي؟ قال: أبو بكر. وقال الليث: ما صحب الأنبياء عليهم السّلام مثل أبي بكر.
وقال سفيان بن عيينة: خرج أبو بكر رضي اللّه عنه بهذه الآية من المعاتبة التي في قوله: ألا تنصروه.
وقال ابن عطية: بل خرج بها كل من شاهد غزوة تبوك، وإنما المعاتبة لمن تخلف فقط. وهذه الآية منوهة بقدر أبي بكر وتقدمه وسابقته في الإسلام، وفي هذه الآية ترغيبهم في الجهاد ونصر دين اللّه إذ بين فيها أن اللّه ينصره كما نصره إذ كان في الغار، وليس معه أحد فيه سوى أبي بكر رضي اللّه عنه. والغار: نقب في أعلى ثور- وهو جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة-، مكث صلّى اللّه عليه وسلّم فيه ثلاثا.
إِذْ هُما فِي الْغارِ بدل، وإذ يقول بدل ثان. وقال العلماء: من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر لإنكاره كلام اللّه تعالى وليس ذلك لسائر الصحابة.
وكان سبب حزن أبي بكر خوفه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فنهاه رسول اللّه تسكينا لقلبه وأخبره بقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَنا يعني بالمعونة والنصر. وقال أبو بكر:
يا رسول اللّه إن قتلت فأنا رجل واحد، وإن قتلت هلكت الأمة وذهب دين اللّه. فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما. وقال أبو بكر رضي اللّه عنه:- من البسيط-.
قال النبي ولم يجزع يوقرني ... ونحن في سدف من ظلمة الغار
لا تخشى شيئا فإن اللّه ثالثنا ... وقد تكفل لي منه بإظهار
وإنما كيد من تخشى بوادره ... كيد الشياطين قد كادت لكفار
واللّه مهلكهم طرا بما صنعوا ... جاعل المنتهى منهم إلى النار
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ الآية، قال ابن عباس: السكينة الرحمة والوقار. والضمير في عليه عائد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذ هو المحدّث عنه. وقال ابن عطية: والسكينة عندي إنما هي ما ينزله اللّه تعالى على أنبيائه من الحياطة لهم