تفسير النهر الماد من البحر المحيط، القسم الأول ج 2، ص: 115
ولا يدل عليه دليل لأنهم لم يقدروا والهمّ بها ولا يدل كلام العرب إلا أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط لأن ما قبل الشرط دليل عليه، ولا يحذف الشىء لغير دليل والبرهان الذي رآه هو ما آتاه اللّه من العلم الدال على تحريم ما حرمه اللّه تعالى، ولا يمكن الهم به فضلا عن الوقوع به.
كَذلِكَ لِنَصْرِفَ التقدير مثل تلك الرؤية، أو مثل ذلك الرأي براهيننا لنصرف عنه فتجعل الإشارة إلى الرؤية أو الرأي والناصب للكاف مما دل عليه قوله: لولا أن رأى برهان ربه، ولنصرف متعلق بذلك الفعل الناصب للكاف.
وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ الآية، أي واستبق يوسف وامرأة العزيز إلى الباب هذا للخروج والهروب منها وهذه لمنعه ومراودته. وأصل استبق أن يتعدى بإلى فحذف اتساعا. «وقدت قميصه» ، أي قطعته، والقد: القطع والشق وأكثر استعماله فيما كان طولا.
مِنْ دُبُرٍ أي من وراء. وَأَلْفَيا أي وجدا وصادفا زوجها والمرأة تقول لبعلها سيدي، ولم يضف إليهما، لأن زوجها ليس سيدا ليوسف على الحقيقة.
ما جَزاءُ ما: نافية. وبدأت بالسجن إبقاء على محبوبها ثم ترقت إلى العذاب الأليم، قيل: وهو الضرب بالسوط، وقولها ما جزاء، أي أن الذنب ثابت متقرر في حقه وأتت بلفظة سوء، أي مما يسوؤها وليس نصا في معصية كبرى، إذ يحتمل خطابه لها بما يسوؤها أو ضربه إياها. وقولها إلا أن يسجن أو عذاب أليم يدل على عظم موقع السجن من ذوي الأقدار حيث قرنته بالعذاب الأليم ولما أغرت بيوسف عليه السّلام وأظهرت تهمته احتاج إلى إزالة التهمة عن نفسه.
فقال:
هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ولم يستو أولا إلى القول سترا عليها فلما خاف على نفسه وعلى عرضه الطاهر قال: هي راودتني، وأتى بضمير الغيبة إذ كان غلب عليه الحياء أن يشير إليها ويعنيها بالإشارة فيقول: هذه راودتني أو تلك راودتني لأن في المواجهة بالقبيح ما ليس في الغيبة، ولما تعارض قولاهما عند