تفسير النهر الماد من البحر المحيط، القسم الأول ج 2، ص: 284
لِيَسُوؤُا بلام كي وياء الغيبة وضمير الجمع والغائب العائد على المبعوثين وقرئ: لنسوء بالنون التي للعظمة وفيها ضمير يعود على اللّه والظاهر أنه أريد بالوجوه الحقيقية لأن آثار الأعراض النفسانية في القلب تظهر على الوجه ففي الفرح يظهر الاسفار والاشراق وفي الحزن يظهر الكلوح والغبرة ويحتمل أن يعبر عن الجملة بالوجه فإنهم ساؤهم بالقتل والسبي والنهب فحصلت بالإساءة للذوات كلها.
وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ أي مسجد بيت المقدس ومعنى:
كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي بالسيف والقهر والغلبة والإذلال وهذا يبعد قول من ذهب إلى أن أولى المرتين لم يكن فيها قتل ولا قتال ولا نهب.
وَلِيُتَبِّرُوا أي يهلوا وقال قطرب يهدموا* وقال فما الناس إلا عاملان فعامل* يتبر ما يبنى وآخر رافع والظاهر أن مفعوله يتبروا أي يهلكوا ما غلبوا عليه من الاقطار ويحتمل أن تكون ما ظرفية أي مدة استيلائهم.
عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بعد المرة الثانية إن تبتم وانزجرتم عن المعاصي وإن عدتم إلى المعصية مرة ثالثة عدنا إلى العقوبة وقد عادوا فأعاد اللّه عليهم النقمة بتسليط الأكاسرة وضرب الاتاوة عليهم وعن الحسن عادوا فبعث اللّه محمدا فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون ثم ذكر ما أعد لهم في الآخرة وهو جعل جهنم لهم حصيرا والحصير السجن أو المحبس* قال لبيد
ومقامه غلب الرجال كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام
والذي يظهر بأنها حاصرة لهم محيطة بهم من جميع جهاتهم فحصير معناه ذات حصر إذ لو كان للمبالغة لزمته التاء لجريانه على مؤنث كما تقول رحيمة وعليمة ولكنه على معنى النسب كقوله تعالى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ أي ذات انفطار.
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي الآية لما ذكر من اختصه بالإسراء وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ومن آتاه التوراة وهو موسى صلّى اللّه عليه وسلّم وأنه هدى لبني إسرائيل وذكر فيها ما قضى عليهم من التسلط عليهم بذنوبهم كان ذلك رادعا من عقل عن معاصي اللّه فذكر