تفسير النهر الماد من البحر المحيط، القسم الأول ج 2، ص: 318
به وهذا امتنان من اللّه تعالى ببقاء القرآن محفوظا.
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُ الآية لما ذكر تعالى إنعامه على نبيه بالنبوة وبإنزال وحيه عليه وباهر قدرته ذكر ما منحه تعالى من الدليل على نبوته الباقي بقاء الدهر وهو القرآن الذي عجز العالم عن الإتيان بمثله وأنه من أكبر النعم عليه والفضل الذي أبقي له ذكرا إلى آخر الدهر وإذا كان فصحاء اللسان الذي تقول وبلغاتهم عجزوا عن الإتيان بسورة واحدة مثله فلأن تكونوا أنتم أعجز عن أن تأتوا بمثل جميعه ولو تعاون الثقلان عليه لا يأتون بمثله ولما كانت الجن تفعل أفعالا مستغربة كما حكى اللّه عنهم في قصة سليمان عليه السّلام أدرجوا مع الإنس في التعجيز ليكون ذلك أبلغ في التعجيز ولا يأتون جواب القسم المحذوف واللام الموطئة في لئن وهي الداخلة على الشرط كقوله تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا الآية.
وَلَقَدْ صَرَّفْنا تقدم نظيره والظاهر أن المراد بالمثل هو القول الغريب السائر في الآفاق والقرآن مثل من الأمثال التي ضربها اللّه* قال الزمخشري:
ويجوز أن تكون مؤكدة زائدة التقدير ولقد صرفنا كل مثل «انتهى» يعني فيكون مفعول صرفنا كل مثل وهذا التخريج هو على مذهب الكوفيين والأخفش لا على مذهب جمهور البصريين والظاهر أن مفعول صرفنا محذوف تقديره البينات والعبر ومن لابتداء الغاية وروي أن صناديد قريش اجتمعوا وسيروا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلما جاء إليهم جرت بينهم محاوروات في ترك دينهم وطلب منهم أن يوحدوا ويعبدوا اللّه فأرغبوه بالمال والرئاسة فأبى وقال: لست أطلب ذلك فاقترحوا عليه الآيات أَلست التي ذكرها اللّه هنا ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما تحداهم بأن يأتوا بمثل القرآن فتبين عجزهم عن ذلك وإعجازه وانضمت إليه معجزات أخر وبينات واضحة فلزمتهم الحجة وغلبوا أخذوا يتعللون باقتراح آيات فعل الحائر المبهوت المحجوج فقالوا ما حكاه اللّه عنهم ومعنى من الأرض أي أرض مكة.
يَنْبُوعًا مشتق من النبع ووزنه يفعول كيعفور.
فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ التي أصلها الينبوع ثم اقترحوا بإيتاء جنة من نخيل