تفسير النهر الماد من البحر المحيط، القسم الأول ج 2، ص: 367
فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وأتى بحرف التنفيس في:
فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ لما يتخلل بين اظهاره كفره وبين تعذيبه من دعائه إلى الإيمان وتأبيه عنه فهو لا يعاجلهم بالقتل على ظلمهم بل يدعوهم ويذكرهم فإن رجعوا وإلا فالقتل وقوله:
ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ أي يوم القيامة وأتى بنون العظمة في نعذبه على عادة الملوك في قولهم: نحن فعلنا وقوله: إلى ربه فيه اشعار بأن التخيير لذي القرنين ليس من اللّه إذ لو كان كذلك لكان التركيب ثم يرد إليك فتعذبه ولا يبعد أن يكون التخيير من اللّه ويكون قد أعلم ذو القرنين بذلك أتباعه ثم فصل مخاطبا لاتباعه لا لربه تعالى وما أحس مجيء هذه الجمل لما ذكر ما يستحقه من ظلم بدأ بما هو أقرب لهم ومحسوس عندهم وهو قوله: فسوف نعذبه ثم أخبر بما يلحقه آخرا يوم القيامة وهو تعذيب اللّه إياه العذاب النكر ولأن الترتيب الواقع هو كذا* ولما ذكر ما يستحقه من آمن وعمل صالحا ذكر جزاء اللّه له في الآخرة وهو الحسنى أي الجنة لأن طمع المؤمن في الآخرة ورجاءه هو الذي حمله على أن من آمن لأجل جزائه في الآخرة وهو عظيم بالنسبة للإحسان في الدنيا ثم اتبع ذلك بإحسانه له في الدنيا بقوله:
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا أي لا نقول له ما يتكلفه مما هو شاق عليه أي قولا ذا يسر وسهولة كما قال قولا ميسورا ولما ذكر ما أعد اللّه له من الحسنى جزاء لم يناسب أن يذكر جزاءه بالفعل بل اقتصر على القول أدبا مع اللّه وان كان يعلم أنه يحسن إليه قولا وفعلا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا أي طريقا إلى مقصده الذي يسر له والقوم هنا الزنج* والستر هنا البنيان وقيل غير ذلك والمعنى أنهم لا شىء لهم يسترهم من حرّ الشمس وقال مجاهد السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع الأرض وقال بعض الرجاز:
بالزنج حرّ غير الأجساد ... حتى كسا جلودها السوادا