تفسير النهر الماد من البحر المحيط، القسم الأول ج 2، ص: 473
وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ ذكر ما امتاز به داود عن سليمان والظاهر أن يسبحن جملة من الجبال أي مسبحات والظاهر وقولع التسبيح منها بالنطق خلق اللّه تعالى فيها الكلام كما سبح الحصى في كف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسمع الناس ذلك وانتصب والطير عطفا على الجبال ولا يلزم من العطف دخوله في قيد التسبيح وقيل هو مفعول معه أي يسجن مع الطير.
وَكُنَّا فاعِلِينَ أي فاعلين هذه الأعاجيب من تسخير الجبال وتسبيحهن والطير لمن نخصه بكرامتنا* قال الزمخشري: فإن قلت لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز لأنها جماد والطير حيوان ناطق «انتهى» قوله: حيوان ناطق إن عني به أنه ذو نفس ناطقة كما يقولون في حد الإنسان أنه حيوان ناطق فيلزم أن يكون الطير إنسانا وإن عني به أنه متكلم كما يتكلم الإنسان فليس بصحيح وإنما عني به أنه مصوت أي له صوت ووصف الطير بالنطق مجاز لأنها في الحقيقة لا نطق لها.
وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ اللبوس الملبوس فعول بمعنى مفعول كالركوب بمعنى المركوب وهو الدرع هنا واللبوس ما يلبس وقال الشاعر:
عليها أسود ضاريات لبوسهم ... سوابغ بيض لا يخرقها النبل
امتن تعالى عليه بإيتائه حكما وعلما وتسخير الجبال والطير معه وتعليم صنعة اللبوس وفي ذلك فضل هذه الصنعة إذ اسند تعالى تعليمها إياه إليه ثم امتن علينا بها بقوله:
لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ أي ليكون وقاية لكم في حربكم وسبب نجاة من عدوكم وقرئ: بالنون والياء والتاء فالنون ضمير اللّه والتاء عائد على الدروع والياء على اللبوس.
فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ استفهام يتضمن الأمر أي اشكروا اللّه على ما أنعم به عليكم لقوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، أي: انتهوا عما حرم اللّه ولما