تفسير النهر الماد من البحر المحيط، القسم الأول ج 2، ص: 474
ذكر تعالى ما خص به نبيه داود ذكر ما خص به ابنه سليمان فقال:
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ وجاء التركيب هنا حين ذكر تسخير الريح لسليمان باللام وحين ذكر تسخير الجبال جاء بلفظ مع فقال: وسخرنا مع داود الجبال وكذا يا جبال أوبي معه وقال فسخرنا له الريح تجري بأمره وذلك أنه لما اشتركا في التسبيح ناسب ذكر مع الدالة على الاستصعاب ولما كانت الريح مسخرة لسليمان أضيفت إليه بلام التمليك لأنها في طاعته وتحت أمره و
عاصِفَةً حال العامل فيها سخرنا، ويقال: عصفت الريح فهي عاصف وعاصفة ولغة أسد أعصفت فهي معصفة ومعصف ووصفت هذه الريح بالعصف وبالرخاء والعصف الشدة في السير والرخاء اللين وقيل: كان ذلك بالنسبة إلى الوقت الذي يريد فيه سليمان أحد الوصفين فلم يتخذ الزمان وقيل الجمع بين الوصفين كونهما رخاء في نفسها طيبة كالنسيم عاصفة في عملها تبعد في مدة يسيرة كما قال عدوها شهر وردفها شهر وقيل الرخاء في البداءة والعصف بعد ذلك ولما ذكر تعالى تسخير الريح له وهي جسم شفاف لا يعقل ولا يدرك بالبصر ذكر تسخير الشياطين له وهم أجسام لطيفة تعقل والجامع بينهما أيضا سرعة الانتقال ألا ترى إلى قوله: قال عفريت من الجن ومن في موضع نصب أي وسخرنا من الشياطين من يغوصون أو في موضع رفع على الابتداء والخبر في الجار والمجرور قبله وجمع الضمير في يغوصون حملا على معنى من وحسن ذلك تقدم جمع قبله ومعنى يغوصون أي في البحار لاستخراج اللآلىء ودل الغوص على المغاص فيه وعلى ما يغاص لاستحزابه وهو الجوهر ومعنى له أي لسليمان لأن الغائص قد يغوص لنفسه ولغيره فذكر أن الغوص ليس لأنفسهم إنما هو لأجل سليمان وامتثالهم أمره والإشارة بذلك إلى الغوص أي دون الغوص من بناء المدائن والقصور وغير ذلك كما قال تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ الآية، وقيل الحمام والنورة والطاحون والقوارير والصابون من استخراجهم.
وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ أي من أن يزيغوا عن أمره أو يبدلوا أو يغيروا أو يوجد منهم فساد فيما هم فيه مسخرون.