تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 322
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ ظاهره أنها باشرته بالنداء ليلقى سمعه إلى ما تكلمه الملائكة وتخبره عن تبشير اللّه له بالهبة وانه تعالى قبل دعاءه في ذلك. وَهُوَ قائِمٌ جملة حالية نادته حالة التباسه بهذه العبادة العظيمة وهي الصلاة في المكان الشريف المخصوص بالعبادة. بِيَحْيى أي بولادة يحيى منك ويحيى علم. والظاهر أنه أعجمي لأنه ليس من لسانهم وقرئ فناداه وفنادته. وقرئ ان اللّه يكسر الهمزة على تقدير قول محذوف في مذهب أهل البصرة وفي إجراء النداء مجرى القول في مذهب الكوفيين وبفتحها على تقدير الباء أي بأن اللّه. وقرئ يبشرك مخفف الشين، ويبشرك مضارع بشر بتشديد الشين ويبشرك مضارع أبشر بالهمزة.
مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ هي عيسى عليه السّلام وأطلق عليه كلمة لأنه ناشئ عن لفظ كن المستعار لسرعة التكوين. وقرئ بكلمة بكسر الكاف وسكون اللام في جميع القرآن. وَسَيِّدًا السيد المطاع الفائق أقرانه والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة على ذلك. وترتبت هذه الأوصاف لحسن ترتيب بدأ فذكر التصديق أولا وهو الإيمان ثم السيادة وهو كونه فاق الناس في الخصال الحميدة ثم الحصر من النساء اللاتي هن ملاذ الرجال، ثم النبوة التي هي أشرف الأوصاف. وتقدم الكلام في الصلاح ما هو في البقرة في قوله: لَمِنَ الصَّالِحِينَ.* وصفات يحيى هذه مقابلة لصفات مريم اشتركا في التصديق وفي السيادة إذ كان سيد بني إسرائيل وكانت سيدة نساء العالمين وكان لا يأتي النساء وكانت عذراء. وقد قيل: انها كانت نبيّة لقوله تعالى: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ تقدم أن الملائكة بشرته بيحيى فسأل عن كيفية ذلك أَيكون ذلك مع كوننا في سن من لا يولد له لكبر عمره أم ذلك على رجوعنا إلى الشبيبة، فأخبره تعالى أنه يولد لهما على علوّ سنهما من الكبر حتى قيل أن عمره كان مائة سنة وعشرين سنة وعمرها ثمانية وتسعين سنة. وقال الزمخشري:
استبعاد من حيث العادة. كما قالت مريم. «انتهى» . وعلى ما قاله لو كان استبعادا لما سأله بقوله: رب هب لي من لدنك ذرية طيبة، لأنه لا يسأل إلا ما كان ممكنا لا سيما الأنبياء لأن خرق العادة في حقهم كثير الوقوع. وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ جملتان حاليتان صدرت الأولى بالفعل الماضي، والثانية اسمية، لأن بلوغ الكبر مما يتجدد والعقر لا يتجدد وبلوغه تأثيره فيه وهو على سبيل المجاز.
وفي سورة مريم وقد بلغت من الكبر عيتا.