تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 791
والإشارة بقوله: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ إلى ما تقدم من إنزال اللباس والرياش ولباس التقوى. والمعنى من آيات اللّه الدالة على فضله ورحمته على عباده.
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ هذه النعم فيشكرون اللّه تعالى عليها.
يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ أي لا يستهوينكم ويغلب عليكم، وهو نهي للشيطان. والمعنى نهيهم أنفسهم عن الإصغاء إليه والطواعية لأمره، كما قالوا: لا أرينّك هاهنا، ومعناه النهي عن الإقامة بحيث يراه.
كَما في موضع نصب أي فتنة، مثل فتنة إخراج أبويكم من الجنة.
ويَنْزِعُ حال من الضمير في أخرج أو من أبويكم لأن الجملة فيها ضمير الشيطان وضمير الأبوين ونسب النزع والإراءة إلى الشيطان لما كان متسببا فيه.
إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ قال الزمخشري: الضمير في أنه يراكم ضمير الشأن والحديث. «انتهى» ولا ضرورة تدعو إلى هذا بل الظاهر أنه ضمير عائد على الشيطان وهو إبليس يبصركم هو وجنوده من الجهة التي لا تنصرونه منها وهم أجسام لطيفة معلوم من هذه الشريعة وجودهم، كما أن الملائكة أيضا معلوم وجودهم من هذه الشريعة، ولا يستنكر وجود أجسام لطيفة جدا لا نراها نحن. ألا ترى أن الهواء جسم لطيف لا ندركه نحن، وقد قام البرهان العقلي القاطع على وجوده وقد صح تصورهم في الأجسام الكثيفة.
ورؤية بني آدم لهم في تلك الأجسام كالشيطان الذي رآه أبو هريرة حين جعل يحفظ تمر الصدقة، والعفريت الذي رآه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال فيه: لو لا دعوة أخي سليمان لربطته إلى سارية من سواري المسجد الحديث. وكحديث خالد بن الوليد حين سير لكسر ذي الخلصة. وكحديث سوار بن قارب مع رئيه من الجن إلا أن رؤيتهم في الصور نادرة، كما أن الملائكة تبدو في صور كحديث جبريل عليه السّلام. وقوله تعالى: إِنَّهُ يَراكُمْ، تعليل للنهي وتحذير من فتنته بأنه بمنزلة العدو المواجي يكيدكم ويغتالكم من حيث لا تشعرون.
إِنَّا جَعَلْنَا أي صيرنا.