تفسير النهر الماد من البحر المحيط، ج 1، ص: 891
بعضهم في أثر بعض.
مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ قيل: بالاستدراج أو بالهلاك. وقال الأعشى في الاستدراج:
فلو كنت في جب ثمانين قامة ... ورقيت أسباب السماء بسلم
ليستدرجنك القول حتى تهزه ... وتعلم أني عنكم غير فهم
وَأُمْلِي لَهُمْ معطوف على سنستدرجهم فهو داخل في الاستقبال وهو خروج من ضمير المتكلم بنون العظمة إلى ضمير تكلم المفرد والمعنى أؤخره حلاوة من الدهر أي مدة فيها طول. والملاوة بفتح الميم وضمها وكسرها ومنه واهجرني مليا أي طويلا وسمي فعله ذلك بهم كيدا لأنه شبيه بالكيد من حيث أنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان والمتين من كل شىء القوي. يقال: متن متانة.
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ قال الحسن وقتادة: سبب نزولها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صعد ليلة على الصفا فجعل يدعو قبائل قريش يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم ويدعوهم إلى اللّه تعالى، فقال بعض الكفار حين أصبحوا:
هذا مجنون بات يصوت إلى الصباح. وكانوا يقولون: شاعر مجنون، فنفى اللّه عز وجل عنه ما قالوه ثم أخبر أنه محذر من عذاب اللّه. والآية باعثة لهم على التفكر في أمره عليه السّلام وانتفاء الجنة عنه وهذا الاستفهام قيل معناه التوبيخ.
وقيل: معناه التحريض على التأمل، والجنة: الجن، والمعنى من مسّ جنة أو من تخبط جنة، والظاهر أن يتفكروا معلق على الجملة المنفية وهي في موضع نصب بيتفكروا بعد إسقاط حرف الجر لأن التفكر من أفعال القلوب فيجوز تعليقه. والمعنى أو لم يتأملوا أو يتدبروا في إسقاط هذا الوصف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه منتف عنه لا محالة ولا يمكن لم أمعن الفكر أن ينسب ذلك إليه.
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية، لما خصّهم على