ومما وضح فيه هذا الأصل قولُه عزَّ وجلَّ: {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ} [الكهف: 19] ، فالتلطُف هنا كأنه تخفٍّ واحتيال؛ ألا ترَى إلى قوله بعده: {وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} وتأملْ كذلك {يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 16] . فهذا نفاذُ عِلمٍ وقدرة إلى مثل حَبّة خردلٍ في بطن صخرة .. أي بأخفي الخفاء والدقة. وفي قصة يوسف جاء في ختامها بعد إشارة إلى رؤيا يوسف وذِكْر تحققها. {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ} [يوسف: 100] لفتًا إلى غرابة تحوله من فتى عادي خارج مصر إلى وزير مصر الأول خلال مراحل ومسارِبَ لا يدبَرها ويُحْكمها إلا هو سبحانه. وكذلك {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَو اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 13] ، وكلُّها في القرآن تحمل هذه المعاني. وفي التعريف بالاسم الكريم"اللطيف"عز وجلّ قال في [ل] :"اللطيف هو الذي اجتمع له الرِفقُ في الفعل، والعلمُ بدقائق المصالح، وإيصالها إلى مَنْ قدّرها له مِنْ خَلقه، يقال: لَطَفَ به وله"وأضيف تكملة لعبارة"وإيصالها ..": بسبُل خفية أو غير معتادة. ولم يأت في القرآن من التركيب إلا الفعل (يتلطف) واسمه تعالى (اللطيف) .
هذا والأصل الذي ذكرناه يحقق صحةَ استعمال اللُطف في تفادي خَطَرٍ محُيق متمكِّن، أو النفاذ منه، بأمر خفيّ دقيق من رحمة الله عزَّ وجلَّ.
° معنى الفصل المعجمي (لط) : حجب الثغرة أو سدها بشيء خارجي -كما يتمثل في لط الناقة بذبها إذا ألصقته علي حيائها- في (لطط) ، وفي الاحتيال لإدخال قلم الجمل في موضع ضراب الناقة- في (لطف) .