إن مقتلَ الخليفةِ الرابعِ علي رضي اللهُ عنه كان فاجعةً عظيمةً، ولذا لن أتطرق إلى قصةِ مقتلِ علي بنِ أبي طالب رضي الله عنه، وكلنا يعلمُ أن الذي قتل عليًا رضي اللهُ عنه هو عبدُ الرحمن بنُ ملجم المُرادِيُّ أحدُ الخوارجِ، وقد أفرد له الإمامُ الذهبيُّ في"السير -السيرة النبوية-" (3/ 287) ترجمةً فقال في بدايتها: خارجيٌّ مُقترٍ، قاتل علي رضي الله عنه ... وهو عند الخوارجِ من أفضلِ الأمةِ، وكذلك تُعَظِّمُهُ النُّصَيْريَّةُ.
وقال الفقيه أبو محمد بن حزم:"يقولون إن ابنَ ملجم أفضلُ أهلِ الأرضِ خلَّص روحَ اللاهوت من ظلمةِ الجسدِ وكدره. فاعجبوا يا مسلمين لهذا الجنون ... وابنُ ملجم عند الروافض أشقى الخلق في الآخرةِ. وهو عندنا أهل السنةِ ممن نرجو له النارَ، ونجوزُ أن اللهَ يتجاوزُ عنه، لا كما يقول الخوارجُ والروافضُ فيه، وحكمه حُكمُ قاتلِ عثمان، وقاتلِ الزبير، وقاتل طلحة، وقاتل سعيد بن جبير، وقاتل عمار، وقاتل خارجة، وقاتل الحسين، فكلُّ هؤلاءِ نبرأ منهم ونبغضهم في اللهِ، ونكلُ أمورهم إلى الله عز وجل"ا. هـ.
فهذا هو موقفُ الطوائفِ من عبدِ الرحمن بنِ ملجم.
بعد هذا الاستطرادِ نرجع إلى دفنِ علي بن أبي طالب بعد أن قتله عبدُ الرحمن بن ملجم، وقد فصلت كتبُ السير والتاريخ ومنها:"البداية والنهاية"للإمامِ ابنِ كثير، ونقل ابنُ كثيرٍ أقوالًا في دفن علي بنِ أبي طالب.
قال ابن كثير في"البداية والنهاية" (7/ 342 - 343) عند ذكرِ الأقوالِ في مكانِ دفنِ علي بن أبي طالب:"والمقصودُ أن عليًا رضي اللهُ عنه لما مات صلى عليه ابنُهُ الحسنُ، فكبر عليه تسعَ تكبيراتٍ، ودفن بدارِ الإمارةِ بالكوفةِ؛ خوفًا عليه من الخوارجِ أن ينبشوا عن جثتهِ، هذا هو المشهورُ. ومن قال: إنهُ حُمل على راحلتِهِ، فذهبت به فلا يُدرى أين ذهبت، فقد أخطأ وتكلف ما لا علم لهُ بهِ، ولا يسيغهُ عقلٌ ولا شرعٌ، وما يعتقدهُ كثيرٌ من جهلةِ الروافضِ من أن قبرهُ بمشهدِ النجفِ فلا دليل على ذلك ولا أصل له، ويقالُ: إنما ذاك قبرُ المغيرةَ بنِ شعبةََ حكاه الخطيبُ البغداديُ عن أبي نعيم الحافظ، عن أبي بكر الطلحي، عن محمد بن عبد الله الحضرمي الحافظ، هو مطين، أنه قال:"لو علمت الشيعةُ قبرَ هذا الذي يعظمونه بالنجفِ لرجموهُ بالحجارةِ، هذا قبرُ المغيرةَ بنِ شعبةَ"."