منهم بأشد مما جاء به حاطب، بل كانوا في غالب ما يأتون به مجتهدين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) ( [14] ) .. وهذا حديث صحيح مشهور.
وثبت عنه أيضا أنه لما كان في غزوة الأحزاب فرد الله الأحزاب بغيظهم لم ينالوا خيرا، وأمر نبيه بقصد بني قريظة قال لاصحابه (لايصلين احد منكم العصر إلافى بنى قريظة) ( [15] ) ، فأدركتهم الصلاة في الطريق، فمنهم قوم قالوا: لا نصليها إلا في بني قريظة، ومنهم قوم قالوا: لم يرد منا تفويت الصلاة، إنما أراد المسارعة، فصلوا في الطريق. فلم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحدة من الطائفتين.
وكانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه موافقة لما ذكره الله سبحانه وتعالى حيث قال: (( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ) )فأخبر سبحانه وتعالى أنه خص أحد النبيين بفهم الحكم في تلك القضية، وأثنى على كل منهما بما اتاه من العلم والحكم.
فهكذا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ورضوا عنه، كانوا فيما تنازعوا فيه مجتهدين طالبين للحق.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) ( [16] ) . وروى عنه مولاه سفينة أنه قال: (الخلافة ثلاثون سنة، ثم تصير ملكا) ( [17] ) . فكان آخر الثلاثين حين سلم سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحسن بن علي رضي الله عنهما الأمر إلى معاوية. وكان معاوية أول الملوك، وفيه ملك ورحمة، كما روى في الحديث: (ستكون خلافة نبوة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم يكون ملك وجبرية، ثم يكون ملك عضوض) ( [18] ) .