أما مفهوم الصحبة: فإنه عند الإطلاق يراد به المعنى الشرعي لا اللغوي، فلا بد من التفريق بين معنى الصحبة اللغوي ومعناه الشرعي، والصحابي بالمعنى الشرعي هو: من لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته مؤمنًا به ومات على الإسلام ( [1] ) .
فبناءً على هذا التعريف نعلم أن لفظ الصحابة لا يراد به المنافقون؛ لعدم إيمانهم أصلًا، وكذا لا يراد به من ارتد ومات على الكفر، كما لا يراد به من آمن بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو آمن في حياته ولكنه لم يلتق به .. إلخ.
مع أننا نقول: إن من طالت صحبته وجاهد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل ممن لم يصحبه إلا يسيرًا، وإنْ كان كلٌ منهما حصل له فضل صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ..
وأما مسألة عدالة الصحابة فالمراد بعدالتهم أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع كونهم يوافون الله سبحانه وتعالى عدولًا .. ( [2] ) .
ثم إن العدالة تشمل الصدق على وجه العموم، وكذلك التقى، وقولنا بأنهم: (عدول) لا يعني أنهم سواء، فالخلفاء الراشدون رضي الله عنهم في أعلى درجات العدالة، وأقل منهم معاوية رضي الله عنه، وهكذا .. ، فالصحابة رضي الله عنهم يتفاوتون في العدالة، وإن كان الجميع داخلًا في ضمنها، كما قال سبحانه وتعالى: (( وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ) ) [الحديد:10] فهذه الآية شملت من آمن قبل فتح مكة ومن آمن بعده وهم مسلمة الفتح، وإن كانوا في مرتبة أقل بكثير من السابقين الأولين، والجميع وعدهم الله الحسنى، والحسنى هي الجنة، كما قال سبحانه: (( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) ) [الأنبياء:101] (( لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ ) ) [الأنبياء:102] .