الفصل الأول: دلالة آية الخمس
قاعدة مهمة في شروط أدلة مهمات الشرع وضرورياته:
أقصد بمهمات الشرع وضرورياته كل أمر تتوقف عليه سعادة الإنسان في معاشه ومعاده، دينيًا كان أم دنيويًا، كأصول الإيمان والعقيدة أو الأصول الشرعية العملية كالصلاة والزكاة والصيام والحج، أو بر الوالدين والإحسان إلى الخلق عمومًا، أو الانتهاء عن الفواحش والمنكرات عمومًا، كقتل النفس والزنا والربا وأمثالها.
إن هذه الأمور المهمة جميعًا، أقام القرآن على كل واحد منها أدلة واضحة قطعية الدلالة، غير قابلة للرد أو التأويل بحيث لا يمكن لأحد بعدها أن يتشكك فيه أو يتفلت من سلطان الحجة الذي يحاصره من كل جهة، ولا يمكن أيضًا أن يتطرق الظن إلى المقصود بها هل هو كذا أم كذا؟ بل هي نصوص لا تحتمل غير دلالة واحدة لا أكثر، اقرأ مثلًا في وجوب الصلاة والزكاة: (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) ) [البقرة:43] .. (( وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) ) [الماعون:3] * (( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ) ) [الماعون:4] .. (( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ) ) [فصلت:6] * (( الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) ) [فصلت:7] .
وفي وجوب بر الوالدين: (( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) ) [الإسراء:23] وأمثالها كثير.
وعن حرمة الربا: (( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) ) [البقرة:275] وأمثالها كثير.
وحرمة الزنا: (( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ) ) [الإسراء:32] وأمثالها كثير ... وهكذا ...
وبهذا يكون الطريق مسدودًا أمام الراغبين في التفلت من التكاليف الشرعية والالتفاف عليها بالتأويل أو الإنكار؛ لأن النصوص الدالة عليها واضحة بينة لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا فقط!، وهذا معنى قوله تعالى: (( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ) ) [الحديد:25] أي: بالحجج الواضحات القاطعات، لاسيما الأمور المالية لتعلّق النفوس بها، فإذا لم تكن النصوص واضحة بيِّنة والأدلة قطعية محكمة وإلا حصل النزاع، وتفرق الناس، وتقطعت الأرحام وفسد الدين والدنيا.