ولا يستوي القتلى الذين صلى عليهم و سماهم إخواننا، والقتلى الذين لم يصل عليهم، بل قيل له: من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟ فقال: هم أهل حروراء.
فهذا الفرق بين أهل حروراء وبين غيرهم الذي سماه أمير المؤمنين في خلافته بقوله وفعله موافقا فيه لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم هو الصواب الذي لا معدل عنه لمن هدى رشده، وإن كان كثير من علماء السلف والخلف لا يهتدون لهذا الفرقان، بل يجعلون السير في الجميع واحدة. فإما أن يقصروا بالخوارج عما يستحقونه من البغض واللعن والقتل واما يزيدوا على غيرهم ما يستحقون من ذلك
وسبب ذلك قلة العلم والفهم لكتاب الله وسنة رسوله الثابتة عنه، وسيرة خلفائه الراشدين المهديين، وإلا فمن استهدى الله واستعانه، وبحث عن ذلك، وطلب الصحيح من المنقول، وتدبر كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه رضي الله عنهم، ولا سيما سيرة أمير المؤمنين الهادي المهدي التي جرى فيها ما اشتبه على خلق كثير فضلوا بسبب ذلك، إما غلوا فيه، وإما جفاء عنه، كما روى عنه قال: (يهلك في رجلان: محب غال يقرظني بما ليس في، ومبغض قال يرميني بما نزهني الله منه) ( [23] ) .
وحد ذلك وملاك ذلك شيئان: طلب الهدى، ومجانبة الهوى، حتى لا يكون الإنسان ضالا وغاويا، بل مهتديا راشدا، قال الله تعالى في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: (( والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ) ). فوصفه بأنه ليس بضال - أي ليس بجاهل - ولا غاو - أي ولا ظالم - فإن صلاح العبد في أن يعلم الحق ويعمل به، فمن لم يعلم الحق فهو ضال عنه. ومن علمه فخالفه واتبع هواه فهو غاو، ومن علمه وعمل به كان من أولى الأيدي عملا، ومن أولى الأبصار علما، وهو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله سبحانه في كل صلاة أن نقول: (( اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين ) ).